حيازة الأسلحة في أمريكا.. حماية دستورية ومخاوف من حرب داخلية
علي سعادة
3 محاولات لاغتيال الرئيس الأمريكي أثناء حملته للانتخابات الرئاسية، دونالد ترامب، واحدة منها في حفل أقامه ترامب للصحافيين الأمريكيين، فتحت ملف التسلح الداخلي الأمريكي ومدى خطورة تواجد نحو 393 مليون قطعة سلاح ناري بيد المواطنين الأمريكيين في بلد يشهد أكبر انقسام داخلي واستقطاب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وبشكل خاص بعد حرب الإبادة في طقاع غزة وحرب ترامب على إيران بتشجيع من حلفيه المدلل رئيس وزراء الاحتلال بنيامن نتنياهو.
وفي مشهد مأساوي هز الولايات المتحدة أخيرا ودع مئات المشيعين في ولاية لويزيانا الأمريكية ثمانية أطفال قتلوا في جريمة إطلاق نار جماعي نفذها والد الضحايا، باستخدام بندقية رغم امتلاكه سجلا جنائيا سابقا يمنعه قانونيا من حيازة السلاح.
وقبل ذلك فتحت عملية اغتيال تشارلي كيرك، الناشط السياسي والكاتب والإعلامي الأمريكي اليميني، بالرصاص أثناء إلقائه كلمة أمام جمهور في حرم جامعة يوتا الجدال حول اقتناء الأسلحة.
وبعد كل عملية قتل تبرز مسألة حمل السلاح الفردي من جديد على الواجهة، والتي كانت مجالا للنقاش في الولايات المتحدة على المستويين الاجتماعي والسياسي لفترة طويلة.
حيازة السلاح حق دستوري
ملف شائك، يتجنب الحزبان الاقتراب منه بشكل مباشر ومؤثر، فحيازة السلاح أمر أقره الدستور الأميركي باعتبار ذلك حقا للمواطنين، وهو قانون جعل لولايات المتحدة الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي تسمح لمواطنيها بحمل السلاح في الشوارع، مما جعله أمرا متجذرا في الثقافة الأميركية، بل إنه جزء من حياة الأمريكي العادي.
يندرج القانون في إطار احترام الحرية الفردية، وتعتبر محاولات الحد من الحصول على تلك الأسلحة من الخطوات التي تفقد المرشحين، رؤساء أو نوابا أو رؤساء بلديات، أصوات الناخبين، وكلما ازدادت خطورة حوادث إطلاق النار بشكل فردي داخل المجتمع الأميركي ترتفع الأصوات المطالبة بمراجعة التشريعات الخاصة بحيازة الأسلحة.
والواقع أن حيازة الأمريكان للسلاح والتي ارتبطت في ذهن العالم بأفلام الكاوبوي هي قديمة قدم الحياة في الغرب الأمريكي المتوحش وتعود إلى عام 1791 حين تم اعتماد “مواد سميت” وهي “وثيقة الحقوق” التي أضيفت إلى الدستور الأميركي والتي صاغها جيمس ماديسون المعروف باسم “أبو الدستور” وهي تحمي حق التعبير عن الرأي، وحرية الصحافة، وحق التظاهر.
ويستمد الدستور الأميركي مادة “الحق في التسلح” من القانون الإنجليزي الذي يؤكد أن هذا الحق من الحقوق الطبيعية، وتحمي المادة الثانية من الدستور حق الفرد في امتلاك سلاح لأغراض مشروعة وهي الدفاع عن النفس داخل المنزل.
ويرجع الدافع الأساسي لتأييد هذا القانون حين إصداره إلى القلق الشديد من استبداد الحكومة بالسياسة، خصوصا بعد الحرب الأهلية الأميركية، واعتبار حمل السلاح الشخصي الحق الأهم لحماية الحقوق الأخرى التي تم اعتمادها في إطار مواد سميت “العشر”.
وينص القانون الأميركي على أن عملية شراء سلاح بشكل قانوني تستلزم تحري مكتب التحقيقات الفدرالي عن بيانات سجل السوابق الجنائية للمشتري.
ورغم دستورية حيازة السلاح إلا أن القوانين المتعلقة ببيع الأسلحة تختلف من ولاية أميركية لأخرى، ففي ولاية مثل تكساس يستطيع الفرد حمل السلاح من دون ترخيص لأن القانون يبيح له ذلك.
وعلى الرغم من ذلك هناك الكثير من الطرق للالتفاف على تلك الإجراءات، حيث يمكن شراء الأسلحة والذخيرة عبر مواقع الإنترنت التي تعد سوقا ضخمة بأسعار متدنية، إضافة إلى انتشار تهريب الأسلحة عبر الحدود المكسيكية وعصابات المخدرات المسلحة.
سوق تدعمه مجموعات ضغط
ويحظى سوق السلاح بدعم مجموعات ضغط أميركية قوية تدافع بشراسة عن حق امتلاك السلاح الذي يقرره الدستور في مواجهة أي تعديلات قانونية، وتشكل الرابطة الوطنية للأسلحة (أن آر أي) ومقرها ولاية فرجينيا الشمالية أقوى تلك المجموعات التي نجحت خلال سنوات طويلة في منع تقييد تجارة الأسلحة، وعمرها أكثر من 160 عاما.
هذه المنظمة ترفع ورقة الدستور مع كل نقاش في يد، وفي الأخرى تدفع مئات الملايين لكي يبقى الحق في حيازة السلاح وتدعم هذه المنظمة أعضاء الكونغرس المؤيدين لحيازة السلاح، ويظهر ذلك بوضوح في استطلاعات الرأي التي تسبق الانتخابات.
وتقول أرقام مكتب التحقيقات الاتحادي FBI إن الأميركيين يشترون زهاء 40 مليون قطعة سلاح سنويا، وهم بهذا أكثر الشعوب تسلحا.
لكن تسارع وتيرة الحوادث المأساوية بسبب استعمال الأسلحة الفردية والتي ينتج عنها سقوط حوالي 10 آلاف قتيل أميركي سنويا أدى إلى تزايد المطالبات بتشديد القوانين المتعلقة ببيع الأسلحة في البلاد.
ولم يفلح نص قانوني أقر في 1993 في الكونغرس الأمريكي ويحمل اسم “قانون برادلي” والذي فرض التدقيق بالسوابق الإجرامية والعقلية قبل بيع أي سلاح، في الحد من عمليات بيع وامتلاك وحيازة الأسلحة حيث أن 40% من مبيعات الأسلحة لا يشملها القانون لأنها تجري بين أفراد على مواقع إلكترونية متخصصة تقوم بدور وساطة بين شخصين، ولا يطال القانون سوى التجار الذين يملكون تصريحا بهذه التجارة.
كما أصدر الكونغرس قانونا وقعه الرئيس السابق بيل كلينتون عام 1994 يحظر التصنيع والاستخدام المدني للأسلحة النارية نصف الآلية (الأسلحة الهجومية) لمدة عشر سنوات، وتم تحديد 19 نوعا من الأسلحة النارية وتصنيف مختلف البنادق نصف الآلية والمسدسات والبنادق بأنها أسلحة هجومية، وانتهى ذلك الحظر في عام 2004، وصدرت دعاوى تطالب بتجديد الحظر.
كما أن المحكمة العليا الأميركية أصدرت عامي 2008 و2010 قرارا تاريخيا أكدت فيه أن المادة الثانية للدستور تحمي حق الفرد في امتلاك سلاح ناري من دون أن يكون شخصا عسكريا أو مرتبطا بالجيش.
وكان من أكثر الرؤساء الأمريكيين انتقادا لحيازة الأسلحة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من خلال دعوته إلى إصدار قوانين تضع شروطا صارمة لبيعها، لكن مجلس الشيوخ رفض في عام 2013 مشروع قانون بشأن توسيع التحريات والحصول على السجل العدلي لكل من يرغب في شراء قطعة سلاح عبر الإنترنت أو المعارض.
بندقية الموت المفضلة
يشير الخبراء إلى أن أكثر الأسلحة المستخدمة في حوادث القتل هي البنادق نصف الآلية من طراز”AR-15″ والنسخة المعدلة منها طراز “M-16″ وطراز”M-4” المتميز بإطلاق النار بسرعات عالية متعددة الجولات، إضافة إلى بنادق من طرازي “AR-15S”، و”غلوك 10 ملم” و”سينغ سوير9 ملم”.
عندما يدور الحديث على ثقافة السلاح الواسعة الشعبية بين الأمريكيين، ليس هناك سلاح أكثر انتشارا من البندقية الهجومية أي آر-15 AR-15 التي توصف بأنها “البندقية الأمريكية” المفضلة في عمليات إطلاق النار الجماعية.
البندقية، التي ظهرت النماذج الأولية منها في الخمسينيات من القرن الماضي، هي واحدة من أكثر الأسلحة شعبية بين مالكي الأسلحة الأمريكيين، حيث ينتشر عشرات الملايين منها حاليا.
وتشير بعض التقديرات إلى أنه من بين كل 20 أمريكي، هناك شخص واحد يمتلكها، وأن 82 مليونا و880 ألف شخص في البلاد يمتلكون سلاحا واحدا على الأقل.
حتى أن شعبية البندقية دفعت بعض المشرعين المحافظين إلى محاولة تسمية هذه البندقية رسميا بـ”البندقية الوطنية للولايات المتحدة”.
وأصبحت البندقية نصف الأوتوماتيكية أي آر-15 مألوفة في مسرح عمليات إطلاق النار الجماعية، بما في ذلك الحوادث الدامية الأخيرة في لويزفيل وناشفيل وأوفالدي بتكساس.
وتشير الإحصاءات إلى أن البندقية قد استخدمت في العديد من عمليات إطلاق النار الجماعية الأكثر دموية في الولايات المتحدة.
حوادث دامية
ويعد إطلاق النار عام 2012 في مدرسة ابتدائية بمدينة نيوتاون في ولاية كونيتكت والذي خلف مقتل 27 شخصا من بينهم 20 طفلا ثاني أسوأ حادث يقع في مدرسة بتاريخ أميركا بعد مجزرة فرجينيا تيك عام 2007 حين أقدم الطالب سونغ هيو شو على قتل 32 شخصا وإصابة 17 آخرين قبل أن ينتحر.
كما قتل شاب يدعى جيمس هولمز 12 شخصا وأصاب 58 آخرين بإطلاق النار خلال عرض فيلم في مدينة أورورا بولاية كولورادو في عام 2012، وفي عام 2015 أدى إطلاق نار في كلية جامعية بمدينة روزبيرغ في ولاية أوريغون إلى قتل 13 شخصا وإصابة حوالي 20 آخرين.
وفي عام 2017 فتح ستيفين بادوك النار من شرفة غرفته على الحضور في مهرجان موسيقي في لاس فيغاس، فقتل 58 شخصا وجرح 413 آخرين. وفي عام 2018 تمكن نيكولاس كروز من قتل 17 شخصا عندما استخدم بندقيته شبه الآلية وفتح النار في مدرسة في باركلاند في ولاية فلوريدا.
ولم تتوقف الحوادث ففي عام 2019 وفي متجر والمرت في إل باسو تكساس قتل 23 شخصا وأصيب و23. وفي عام 2021 أدت حوادث إطلاق نار في أتلانتا إلى وفاة 8 أشخاص.
وفي نفس العام جرى إطلاق نار في سوبرماركت في بولدر كولورادو أدى إلى مقتل 10 أشخاص.
وفي عام 2022 جرى إطلاق نار في مترو نيويورك أوقع 23 جريحا. وحادث أخر استهداف أميركيين من أصول أفريقية في متجر للبقالة في باولو نيويورك قتل فيه 10 أشخاص، وإطلاق نار في مدرسة في ولاية تكساس أدى لمقتل 21 منهم 19 طفلا.
وفي الاحتفالات برأس السنية الجديدة شهدت الولايات المتحدة عدة عمليات إطلاق نار وتفجيرات وعنف لا تزال نتائجها تتردد حتى اليوم ي وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
محاولات اغتيال رؤساء
ووصل الرصاص إلى الرؤساء الأمريكيين أنفسهم، وكان هناك ما لا يقل عن 15 اعتداء مباشرا على رؤساء الولايات المتحدة والرؤساء المنتخبين والمرشحين الرئاسيين أسفرت 5 منها عن وفيات، وفقا لدائرة أبحاث الكونغرس.
ففي عام 1981، أصيب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان الذي كان في منصبه بجروح خطيرة خارج فندق واشنطن هيلتون حين أطلق عليه جون دبليو هينكلي جونيور النار، الذي ثبتت براءته بعد إعلانه مجنونا، ولكنه ظل تحت رعاية نفسية مؤسسية لأكثر من 30 عاما.
أما أبرز هجوم فقد كان في عام 1963، عندما قتل جون إف. كينيدي الذي كان في منصبه لأكثر من عامين، على يد لي هارفي أوزوالد في مدينة دالاس وما يزال الأمريكيون يثيرون تساؤلات حول اغتياله.
وبعد 5 سنوات، قتل شقيق جون كينيدي، روبرت كينيدي، المرشح الرئاسي وعضو مجلس الشيوخ، برصاص في مدينة لوس أنجلوس.
ولن تقدم او تؤخر جميع عمليات القتل هذه من واقع التسلح في المجتمع الأمريكي؛ فدستور الولايات المتحدة يكفل للأميركيين الحق في حمل السلاح، وهذا أكبر المعيقات أمام المنادين بوقف تراخيص حيازة السلاح.
وقد حاول كثير من الرؤساء الأميركيين منع حيازة السلاح، لكن النتيجة كانت معروفة سلفا، ليهدأ النقاش.. بانتظار المجزرة التالية!