في ظلال الهجرة النبوية الشريفة
عبد الله المجالي
تعلمنا جميعا أن أول عمل قام به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة المنورة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبناء المسجد.
وإذا ترجمنا ذلك إلى لغة العصر فإن ما تم هو ترسيخ الوحدة الوطنية وراية يلتف حولها الجميع ويدافع عنها.
في الواقع فإن هذين العاملين هما أهم عوامل بناء الدول وبقائها وصمودها، وإذا ما اختلا أو أحدهما فإن الدولة تكون غير مستقرة وفي طريقها للانهيار.
إن الوحدة الوطنية التي رسخها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبن على مصالح ضيقة أو آنية، بل كانت على أسس متينة: “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.
وهنا يأتي دور المسجد في ترسيخ الوحدة الوطنية من جهة، وفي إيجاد القاسم المشترك والراية والعقيدة التي يلتف حولها الجميع، ليصبح المجتمع منيعا عصيا على الاختراق.
إن الفارق الجوهري هنا هو أن تلك الوحدة الوطنية والراية نابعة من قناعة إيمانية وليس من مصالح يمكن أن تتحول أو تختلف فيتفسخ المجتمع وتتحلل الدولة.
لقد شهدنا دولا عاشت أكثر من خمسة عقود في استقرار وسلام ووئام، لكننا اكتشفنا بعد ذلك أن ذلك الاستقرار والسلام والوئام إنما هو وهم، أو كان بفعل قوة قاهرة، حتى إذا ذهبت تلك القوة القاهرة لأي سبب من الأسباب فإذا هي دولة متفككة، وإذا بالسلام والوئام يتحول إلى صراع وحروب أهلية طاحنة!!
إن المسجد الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد مكان للعبادة وأداء الصلوات، فالصلاة عند المسلمين تؤدى في مكان على وجه الأرض، لكنه كان يشكل العنوان وأساس العقيدة التي يلتف حولها الناس ويدافعون عنها، وهو العنوان الذي يحفظ ويرسخ الوحدة الوطنية، فقد كان هو الذي يشكل هوية المجتمع الإسلامي.
هذا هو المسجد وهذا هو دوره في المجتمع؛ إنه كنز عظيم وقيمة مضافة عليا، لكن للأسف هناك من ينظر إليه على أنه عبئ ويجب مراقبته طوال الوقت!!