دراسات اكتوارية تحت الطلب!!
عبد الله المجالي
أخطر ما يمكن أن يخلص إليه المتابع لمحاضرة المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي الدكتور محمد الطراونة في جمعية العلوم والثقافة قبل أيام هي أن مؤسسة الضمان مؤسسة تابعة للحكومة واقعيا!!
مكمن الخطورة هنا ليس أن الحكومات ليست حريصة على مصلحة مؤسسة الضمان، بل لأن الحكومات ليست مؤهلة لإدارة مؤسسة الضمان، ولأن قراراتها تحكمها العوامل السياسية وليست الاقتصادية، وهناك هامش لدخول المصلحة الشخصية أحيانا.
الخطورة تكمن في أن الحكومات ذاتها تعترف بفشل إدارتها للمؤسسات الحيوية، فقد لجأت لبيع شركات الفوسفات والبوتاس والكهرباء والاتصالات بذريعة تطويرها، فلماذا تصر على التدخل في مؤسسة الضمان رغم أن القانون يمنحها الاستقلال؟
يؤكد الطراونة أن الحكومة تهيمن على القرار في مؤسسة الضمان، بل وأكثر من ذلك يكشف أن الحكومات تنظر إلى أموال الضمان باعتبارها أموالاً عامة، يمكن استغلالها في المصارف التي ترى الحكومة أنها مناسبة.
هذه النظرة أدت إلى تراجع أهمية الاستثمار لرفد خزينة الضمان، موضحا أن أكثر من نصف استثمارات الصندوق هي ديون على الحكومة.
الطراونة يؤكد أنه ليس ضد استثمار الضمان في السندات التي تصدرها الحكومة، لكنه ضد أن يملى على المؤسسة الاستثمار فيها دون أن تكون دراسة جدوى حقيقية، ويقول إن هذا يضيع الفرصة البديلة، فلماذا على الضمان استثمار 200 مليون في سندات حكومية في نفس الوقت هناك فرصة استثمارية أفضل وأكثر جدوى وعائدية!!
لا يقف الأمر عند ملف الاستثمار، فقد كشف الطراونة أن الحكومات يمكن أن تتلاعب أيضا في الدراسات الاكتوارية، وهذا أمر خطير؛ فبحسبه فقد تم تجميل الدراسة الاكتوارية رقم عشرة تحت ضغط حكومة الدكتور عمر الرزاز، أما السبب، كما يقول، هو أن الرزاز لم يكن يريد أن يدخل في ملف حساس جدا كملف الضمان، لذلك آثر أن تكون نتائج الدراسة جيدة بحيث لا تضطر الحكومة لدراسة بدائل أخرى!!
خطورة هذا الكشف تعني أن هناك دراسات اكتوارية تحت الطلب، فكيف لنا أن نثق بالدراسة الاكتوارية رقم 11 والتي على أساسها تقدمت حكومة الدكتور جعفر حسان بمشروع قانون معدل لقانون الضمان الاجتماعي.
كثيرون كانوا يقولون ذات كلام الطراونة، بل ويذهبون أكثر من ذلك بكثير، لكن أن تخرج ذات الاتهامات من رجل كان هو الرجل الأول في المؤسسة، فهذا يعطي للاتهامات، التي كانت مجرد أحاديث مجالس، مصداقية، ما يجعل منها ملفا يحتاج إلى لجان تحقيق.