الحياد المستحيل والتكيّف المفقود
حازم عياد
الحفاظ على حياد حركة أنصار الله الحوثية في اليمن مسألة عصية المنال، كحال الإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي بعيدًا عن التصعيد في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر.
فأميركا لم تتمكن من الاستغناء عن قواعد الكيان الإسرائيلي ومطاراته العسكرية والمدنية، فكيف لها أن تجبره على البقاء على الحياد في المعركة المشتعلة في الخليج العربي؟ الحال ذاته في اليمن، فإيران جزء ومكون أساسي من القدرة العسكرية لحركة أنصار الله وقوتها المسلحة، في ارتباط عضوي لا يختلف عن ارتباط الكيان الإسرائيلي بأميركا.
وكنتيجة لذلك، فإن الإبقاء على باب المندب بعيدًا عن التصعيد يبدو كحلم لن يتحقق، يفاقمه امتلاك الاحتلال الإسرائيلي قواعد عسكرية جوية وبحرية في أرض الصومال الانفصالية، على نحو يتوقع أن يوفر الوقود لإشعال مضيق باب المندب والبحر الأحمر برمته، في جولة قتال تبدو للمراقبين مقبلة غير مدبرة.
ذلك أن جهود خفض التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات لا تلقى آذانًا صاغية لدى الولايات المتحدة، الطرف الذي أطلق جولة القتال الأخيرة أملًا في إجبار إيران على الجلوس مجددًا على طاولة المفاوضات، لإعادة صياغة اتفاق يعكس قوة أميركا كإمبراطورية وقوة عظمى متفردة في الإقليم والعالم، الأمر الذي قوبل برفض إيراني وإصرار على تنفيذ بنود اتفاق الإطار السويسري.
دعوات العودة إلى طاولة المفاوضات المرفقة بمناشدات عربية لإبعاد الكيان الإسرائيلي عن جولة التصعيد وتحييد باب المندب، لم تحظَ بتأثير على الأحداث المتسارعة في الميدان، فالمواجهات تكاد تخرج عن السيطرة وتتحول إلى كارثة اقتصادية وأمنية مزدوجة، تجمع بين استهداف البنى التحتية للطاقة إلى جانب باب المندب.
دول الإقليم تواجه معضلة حقيقية، فجولات القتال تتحرك بتسارع أكبر بكثير من قدرة الدول على التكيف وإعادة التموضع الاقتصادي والجيوسياسي، ما يشير إلى إمكانية تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتحولها إلى أزمة اجتماعية اقتصادية سياسية مركبة ومتراكمة، هي آخر ما يفكر فيه ترامب، ذلك أن ترامب لا يدرك مغزاها، فالعواقب الاجتماعية والسياسية لا تقع ضمن رادار دونالد ترامب، فهي عصية على الفهم والاستيعاب، ولو كانت حاضرة لما شهدت المنطقة هذا القدر من التدهور الأمني والاقتصادي.
ختامًا.. إغلاق باب المندب يؤسس لفوضى يتوقع أن تجد طريقها إلى إرتيريا والصومال وجيبوتي، وبمرور الوقت السودان وإثيوبيا، وصولًا إلى قناة السويس وشرق المتوسط، فوضى تتسلل إلى الإقليم والعالم برمته، إن لم تنجح الجهود الدبلوماسية في تجاوزها عبر وقف التصعيد في مضيق هرمز، كونه المبتدأ وما بعده الخبر في باب المندب وشرق المتوسط.