الأخبار

الدنيا متاع الغرور

يوليو 18, 2026 2:10 م
عبد الله المشوخي

الدكتور عبدالله المشوخي

لعل أدق وصفٍ لهذه الحياة الدنيا ما وصفها به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
فهي دارٌ يتنافس الناس على زينتها، ويسعون إلى تحصيل المال والجاه، ورفعة المنصب، وحسن المكانة، حتى يظن بعضهم أن السعادة قد اجتمعت له، وأن الدنيا قد فتحت له أبوابها.
غير أن هذه الحياة سريعة التقلب، لا تثبت على حال، فقد يرتقي الإنسان إلى أعلى المناصب، ويجلس على كرسي السلطة أو الإدارة، فيخال إليه أنه فريد عصره، ووحيد زمانه، وأن الناس لا يعرفون إلا اسمه. فإذا نزل عن كرسيه، أو أحيل إلى التقاعد، انقلب المشهد كله، وخفتت الأضواء، وانفض الجمع، حتى يشعر وكأنه أصبح على هامش الحياة.
فلا الكرسي يدوم، ولا الجاه يبقى، وإنما يردد الزمان لصاحبه: كما كنت لغيرك، سأكون لغيرك من بعدك.
ويغتر آخر بقوته وصحته، فإذا ابتلي بمرض أقعده، أو ضعف أنهك جسده، أدرك أن القوة التي كان يفاخر بها لم تكن إلا نعمة عارية، يستردها واهبها متى شاء، فيقف الإنسان أمام ضعفه عاجزًا، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله.
وقد يملك المرء القصور والأموال، ويحيط نفسه بكل وسائل المتعة والرفاهية، لكنه لا يجد في قلبه سعادةً ولا طمأنينة. فالمتعة شيء، والسعادة شيء آخر.
المتعة قد يشتريها المال، أما السعادة فلا تُشترى، وإنما تنبع من راحة البال، وطمأنينة القلب، والرضا بقضاء الله وقدره.
وكم من غنيٍّ يعيش في قلق دائم، يخشى زوال ماله، أو تبدل حاله، أو يشعر في أعماقه أن احترام الناس إنما هو لسلطانه أو ماله، لا لشخصه.
ومن أعظم المشاهد التي تكشف حقيقة الدنيا لحظة الاحتضار، حين يرى الإنسان أن كل ما جمعه من مال، وكل ما ناله من سلطان، وكل ما شُيِّد له من مجد، سيبقى وراءه، وأنه سيرحل وحيدًا، لا يصحبه إلا عمله.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما رُوي عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، صاحب الملك الواسع، أنه لما حضرته الوفاة قال: “أشرفوا بي على الغوطة”. فلما أشرف على بساتين دمشق رأى غسّالًا يلوي ثوبًا بيديه، فقال: “والله، ليتني كنت غسّالًا، آكل من كسب يدي يومًا بيوم، ولم أَلِ من أمر الناس شيئًا”. ثم أوصى أبناءه بتقوى الله، ولزوم الجماعة، وأخذ يردد كلمات الزهد والندم على الانشغال بأعباء الملك.
إن كل متاعٍ نسعى إليه في هذه الدنيا، ونفرح بالحصول عليه، لا يلبث مع مرور الأيام وتكرار الألفة أن يفقد بريقه ورونقه.
فالبيت الذي كان حلمًا، والسيارة التي كانت أمنية، والمزرعة التي كانت غاية، تصبح مع الزمن أمورًا اعتيادية؛ لأن النفس البشرية تتطلع دائمًا إلى الجديد، وتملُّ ما اعتادته.
وهكذا تبقى الدنيا كما وصفها ربنا: متاع الغرور؛ تبهج العيون، لكنها لا تملأ القلوب، وتخدع الأبصار، لكنها لا تمنح البقاء.
فخير ما يفعله العاقل أن يجعل هذه الحياة مزرعةً للآخرة، وأن يستثمر أيامها في طاعة الله، والإحسان إلى عباده، والعمل الصالح، حتى يلقى ربه بقلب سليم.
فحين يغادر الإنسان هذه الدنيا لن يحمل معه مالًا، ولا منصبًا، ولا جاهًا، وإنما يحمل صحيفة عمله، فإن كانت عامرةً بالطاعات سعد سعادةً لا تنقضي، وإن كانت غير ذلك فلا ينفعه يومئذٍ ما كان يملك من متاع الدنيا وزينتها.
نسأل الله أن يجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن يرزقنا حسن الاستعداد ليوم لقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مواضيع ذات صلة
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟

يوليو 18, 2026 3:42 م

عبد الله المجالي التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة على هامش اجتماع قمة حلف الناتو،...
نحو من تعديل القوانين وتخفيض سن المسؤولية القانونية
نحو من تعديل القوانين وتخفيض سن المسؤولية القانونية

يوليو 18, 2026 2:38 م

مهند أبو فلاح [*] عضو الهيئة الإدارية لجمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين ‏مع ارتفاع الجرائم في الآونة الأخيرة لوحظ ان نسبة...
نساء الحي في زمن الطيبين
نساء الحي في زمن الطيبين

يوليو 18, 2026 2:26 م

محمد محيسن على هيئة حلقة، وفي غرفة صغيرة، اجتمعت نساء الحي يتبادلن أطراف الحديث، فتذكرن تلك القصص التي جاءت معهن...
وزارة التربية.. نحو هيكل تنظيمي رشيق يقود إصلاح التعليم وبناء رأس المال البشري بالأردن
وزارة التربية.. نحو هيكل تنظيمي رشيق يقود إصلاح التعليم وبناء رأس المال البشري بالأردن

يوليو 18, 2026 2:05 م

الدكتور فايز السعودي  مقدمة يشهد الأردن مرحلة مفصلية من مسيرة التحديث الوطني، تتكامل فيها مسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، بهدف...
ليلة انتصر الشعب على السيف
ليلة انتصر الشعب على السيف

يوليو 15, 2026 8:57 م

عبد الله المجالي في مساء الخامس عشر من تموز عام 2016 كان الشعب التركي على موعد مع حدث مفصلي من...
البلديات… الرحم الذي يُنجب القيادات الوطنية
البلديات… الرحم الذي يُنجب القيادات الوطنية

يوليو 14, 2026 7:27 م

م.مروان الفاعوري: ليست البلديات مجرد مؤسسات تقدم خدمات النظافة والطرق والإنارة، بل هي المدرسة الأولى للديمقراطية، والرحم الذي يُنجب القيادات...