صدام الأجواء والبحار: كيف أعادت حادثة الطائرة الإيرانية خلط الأوراق العسكرية في اليمن؟
كتب: د. عمر الجيوسي/ إسطنبول
دخل المشهد اليمني الخليجي طوراً جديداً ومباغتاً من التصعيد العسكري المباشر، واضعاً حداً لسنوات من التهدئة الهشة التي صمدت منذ عام ألفين واثنين وعشرين وفقاً لتقارير تداولتها شبكة دويتشه فيله الألمانية وجملة من الشبكات الإعلامية الأوروبية.
وجاء هذا التحول الميداني المتسارع إثر مواجهة جوية وأرضية حادة تداخلت فيها الحسابات الإقليمية، وتمثلت في تبادل القصف الصاروخي والغارات الجوية التي طالت منشآت حيوية في كلا البلدين بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.
أولاً: شرارة المدرج وأزمة الطائرة الإيرانية
اندلعت الأزمة بعد استهداف القوات الحكومية اليمنية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية قادمة من طهران، فحوّلت الطائرة مسارها إلى الحديدة، وفقاً لما رصدته التغطيات الميدانية لوكالة رويترز العالمية للأنباء ومنصة المونيتور الدولية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط.
وأكد البيان الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن القوات الحكومية قصفت المدرج لمنع طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية “ماهان” من الهبوط في الأرض اليمنية دون إذن مسبق.
ووصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، في إحاطة رسمية نقلتها الصحف العربية، الخطوة الإيرانية بأنها انتهاك للسيادة، مشيراً إلى أن التدابير العسكرية جاءت لحماية الأجواء والمنافذ السيادية للبلاد.
وفي سياق متصل، وجّهت جماعة الحوثي أصابع الاتهام مباشرة إلى المملكة العربية السعودية بالوقوف وراء الغارات التي استهدفت حرم المطار، بحسب المتابعات الإخبارية لشبكة دويتشه فيله.
ونقلت وكالة رويترز العالمية للأنباء عن المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، قوله إن الطائرة كانت تقل وفداً يمنياً عائداً من طهران، في حين أفاد تقرير لوكالة الأنباء الصينية شينخوا بأن الطائرة الإيرانية غيرت مسارها لاحقاً وهبطت بأمان في مطار الحديدة الخاضع لسيطرة الجماعة على ساحل البحر الأحمر.
ثانياً: معادلة الرد وقصف مطار أبها السعودي
وردّ الحوثيون بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه مطار أبها السعودي، بينما أعلنت السعودية اعتراض الهجوم، وهي التفاصيل الميدانية الحادة التي وثقتها هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ووكالة رويترز.
ورافق هذا القصف تهديد علني أطلقه القيادي في الجماعة محمد البخيتي عبر شبكة سي إن إن الإخبارية وشبكة الجزيرة، توعد فيه بفرض “حصار مضاد” على الموانئ والمطارات السعودية كمعادلة ردع متبادلة في حال استمرار الحظر على الأجواء اليمنية.
ومن جانبه، أوضح المتحدث باسم قوات التحالف، العميد تركي المالكي، في تصريح نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية واس، أن الدفاعات الجوية الملكية تعاملت بنجاح واعترضت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي أطلقتها الجماعة باتجاه المنطقة الجنوبية للمملكة.
وترافق الاعتراض مع بيان صارم لقيادة التحالف أوردته وكالة رويترز، جاء فيه أن التحالف سيرد بحزم وقوة غير مسبوقة على أي محاولة لاستهداف أمن المملكة ومواطنيها ومقدراتها الوطنية أو المساس بسيادة الجمهورية اليمنية.
وفي المقابل، أصدرت الجماعة تحذيراً علنياً نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي دعت فيه جميع شركات الطيران العالمية إلى تجنب التحليق في الأجواء السعودية.
ثالثاً: تعطل المسارات الإنسانية والدبلوماسية
انعكست الأزمة العسكرية سريعاً على الملفات الإنسانية المشتركة؛ فقد اتهم وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، في بيان رسمي، جماعة الحوثي باحتجاز طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر في مطار صنعاء لساعات، واحتجاز الطيار ومساعده ونشرت تفاصيلها وسائل الإعلام في لندن.
ونقلت وكالة رويترز عن متحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر تأكيده سلامة جميع موظفي اللجنة وطاقم الطائرة ومغادرتهم بأمان، رافضاً الخوض في تفاصيل إضافية. وربطت الدوائر الدبلوماسية المتابعة لشبكة دويتشه فيله هذا التطور بوجود تعقيدات موازية طالت المسارات التفاوضية ومساعي تبادل الأسرى بين الطرفين.
وعلى الصعيد الأممي، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة أوردت تفاصيلها هيئة الإذاعة البريطانية، أصدر فيها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، خالد خياري، بياناً عبر فيه عن قلقه البالغ إزاء تطورات المجال الجوي والضربات المتبادلة، مؤكداً أن اليمن والمنطقة لا يحتملان دورة عنف جديدة، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس والعودة للمفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة.
رابعاً: الأبعاد الاستراتيجية البعيدة ومخاطر الطاقة
تتجاوز هذه التطورات حدود النزاع المحلي لتتقاطع مع صراع النفوذ الإقليمي والدولى في المنطقة.
وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع أكسيوس الإخباري الأمريكي، فإن التحركات السياسية السعودية والغارات الحكومية تهدف إلى منع إيران من فرض سيطرتها الجوية على اليمن أو استخدام مطار صنعاء كقاعدة إمداد عسكري مباشر للحرس الثوري الإيراني.
وفي دراسة بحثية معمقة نشرها مركز الجزيرة للدراسات حول جغرافية الأزمات وممرات الطاقة، أشار الباحثون إلى أن هذه الأحداث تضع ضغوطاً متزايدة على الهدنة المعمول بها منذ عام ألفين واثنين وعشرين، ملمحة إلى إمكانية امتداد التصعيد العسكري إلى مياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأوضح خبراء الاقتصاد في النشرات التحليلية لشبكة بلومبرغ أن أي استهداف مباشر أو غير مباشر للمنشآت النفطية أو خطوط الأنابيب السعودية، قد يدفع بأسعار الطاقة والملاحة العالمية إلى مستويات حرجة تفوق القدرة اللوجستية لسلاسل الإمداد الدولية، لا سيما في ظل التوترات المتزامنة في المنطقة.
وفي إطار قراءة عقيدة الردع السعودية، أشار الكاتب والمحلل السياسي سليمان العقيلي في ورقة بحثية إلى أن الرياض تسعى حالياً لفرض معادلة التصعيد مقابل استنزاف تراكمي، بهدف جعل قرار الهجوم خياراً غير عقلاني ومكلفاً للغاية على المستويين الاقتصادي والسياسي للجماعة، بدلاً من الانجرار وراء ردود أفعال عسكرية مؤقتة.
خامساً: أفق التهدئة ومسارات خفض التصعيد
رغم حدة الخطاب المتبادل، تشير المعطيات السياسية إلى وجود رغبة حقيقية لدى أطراف النزاع والقوى الإقليمية لعدم الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة.
وذكر تقرير لشبكة دويتشه فيله الألمانية أن الكوابح الاقتصادية والسياسية لدى الجانبين ما زالت تعمل كعنصر توازن يمنع انهيار التفاهمات الأساسية التي صمدت منذ عام ألفين واثنين وعشرين.
وفي هذا السياق، أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبر منصاته الرسمية أن الخيارات السياسية والدبلوماسية تظل هي الأولوية لحل أزمة إدارة الأجواء والمطارات، معرباً عن استعداد الخطوط الجوية اليمنية لتسيير رحلاتها وتسهيل حركة المواطنين متى ما توفرت الضمانات الفنية اللازمة.
كما برزت مواقف موازية من سلطنة عُمان دعت فيها عبر قنواتها الدبلوماسية إلى تغليب لغة الحوار وتفعيل لجان التهدئة العسكرية والمالية المشتركة، معتبرة أن فتح قنوات اتصال تقنية ومباشرة لتنظيم الملاحة الجوية المدنية يمثل المدخل الأساسي لتلطيف الأجواء الحالية.
ومع ذلك، تظل هذه الجهود الدبلوماسية متأثرة بظلال التحليلات الاستراتيجية الكبرى، والتي يبرز منها التحذير القاتم الذي أطلقه المفكر الروسي ألكسندر دوغين، حين أكد بصورة قاطعة أن مضيق باب المندب سيُغلق قريباً، مشدداً على أنه حينها فقط ستبدأ المعركة الحقيقية.
وتكتسب هذه المقولة أهمية بالغة بالنظر إلى الوزن الجيوسياسي للمضيق؛ إذ تشير بيانات الهيئة الدولية للملاحة البحرية ومعهد ستوكهولم الدولي لسلامة البحار إلى أن المضيق يمثل شريان الحياة لحوالي اثني عشر بالمئة من إجمالي حجم التجارة العالمية المنقولة بحراً، كما تتدفق عبره يومياً أكثر من ستة ملايين برميل من النفط الخام والمشتقات البترولية المتجهة صوب الأسواق الأوروبية والأمريكية، وفق ما رصدته النشرات التحليلية لمنصة ميدل إيست أونلاين.
وفي قراءة موازية للمشهد، يرى أندرياس كريغ، الأستاذ والمحاضر الاستراتيجي في كينغز كوليدج لندن، أن التهديد بإغلاق مضيق باب المندب يعد بمثابة الخيار النووي الثاني غير التقليدي في حسابات الضغط الإقليمي، معتبراً في تصريحات نقلتها وكالات بحثية أن الإقدام على خطوة كهذه لن يتم إلا إذا استشعرت الأطراف الإقليمية أن الحرب الشاملة باتت حتمية ولا مفر منها.
ومن جانبه، يطرح عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث في الرياض، رؤية موازية تفيد بأن هوامش الدبلوماسية بدأت تضيق بالفعل، لكنه يؤكد في المقابل أن اتخاذ قرار التصعيد الشامل وإغلاق الممرات البحرية الدولية ليس قراراً محلياً، بل يرتبط بتفاهمات وحسابات معقدة بين القوى الإقليمية الفاعلة ومستوى رغبتها في مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى البحرية الدولية المنتشرة لتأمين حرية الملاحة.
