ما وراء عزوف نتنياهو: أزمة الذخائر والعقد اللوجستية
حازم عيّاد
لماذا لم يشارك الاحتلال الإسرائيلي في جولة القتال الحالية، رغم كونها فرصة ثمينة لنتنياهو يمرر من خلالها استراتيجيته ويحقق مقاربته وأحلامه باستهداف العمق الإيراني والموارد الحيوية للدولة الإيرانية؟
النقاشات المعلنة تشير إلى أن الولايات المتحدة تعول على المفاوضات والوسطاء للخروج من جولة لم ترغب في توسيعها بعد، أو أنها لم تملك الموارد الكافية لفعل ذلك، في حين يرى البعض أن السبب يعود إلى ضغوط الدول العربية على الإدارة الأمريكية لإبعاد الكيان الإسرائيلي عن جولة قتال من الصعب احتواؤها حال تدخل نتنياهو.
هناك من يعتقد، في المقابل، بأن الكيان الإسرائيلي لا يرغب في الانخراط في جولة قتال تفقده الميزات التي تحققت عقب توقيع اتفاق واشنطن مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، فالاحتلال يخشى تكرار أخطاء الماضي التي أفقدته المزايا الاستراتيجية التي أعقبت توقيع اتفاق الهدنة مع لبنان في أكتوبر من العام 2024.
الأسباب المذكورة لها وجاهتها، لكن خلف ذلك كله يكمن خطر انكشاف استراتيجي أمريكي إسرائيلي متوقع حال توسع نطاق المعركة، فالضربات الإيرانية الأخيرة كشفت نقاط ضعف كبيرة في بنية الأمن الأمريكي الإسرائيلي بتدميرها العقد اللوجستية المسؤولة عن التنسيق بين الأسلحة والجيوش، وذلك بفعل معلومات استخبارية لا تزال مجهولة، على نحو أعاق القدرة على التنسيق عالي الأداء للطائرات والمسيرات والدفاعات الجوية والرادارات.
ويفاقم المعضلة انكشاف الدفاعات الجوية الإسرائيلية أمام الضربات الصاروخية الإيرانية المتوقعة، فالمخازن لم تُملأ بعد بالذخائر اللازمة للقبة الحديدية ومنظومات (ثاد) و*(مقلاع داود)*، وإلى جانبها قائمة طويلة من الأسلحة الذكية والثقيلة التي تحتاج إلى أشهر، إن لم يكن سنوات، لتعويضها، خلافاً للترسانة الإيرانية متوسطة التقنية، كثيفة الإنتاج، محدودة الكلفة.
حقائق دفعت المجلس القيادي الدولي في مركز تحليل السياسات الأوروبية (CEPA) لاستخلاص العبر منها في تقرير منشور على موقعه تحت عنوان «إطلاق العنان للابتكار الدفاعي: بناء قوة قادرة على مواجهة المستقبل»، قال فيه: «حتى الولايات المتحدة، بكل قوتها وبراعتها العسكرية، تتعلم هذا الدرس بطريقة قاسية في إيران»، مضيفاً أن «التكلفة ليست سوى جزء من المشكلة. فردود الفعل الأمريكية على هجمات إيران ووكلائها تُرهق مخزونات محدودة من الذخائر المتطورة وأنظمة الدفاع الجوي الاعتراضية، والتي تُعد بالغة الأهمية أيضاً للدفاع الأوكراني المستمر ضد روسيا».
وأكد مركز (CEPA) أن الحرب أبرزت حقيقة أساسية من حقائق الصراع الحديث، وهي أن انتشار الأنظمة المستقلة منخفضة التكلفة والقابلة للتوسع بشكل كبير قد غيّر جذرياً اقتصاديات الحرب، حتى بالنسبة لأقوى القوى العسكرية في العالم. لقد أظهرت إيران ووكلاؤها قدرة على نشر طائرات مسيرة رخيصة الثمن على نطاق واسع، مما أجبر الولايات المتحدة على الرد بأنظمة اعتراض ودفاع جوي تقليدية باهظة الثمن. وهذه ليست معادلة تبادل مستدامة، والجهات الخبيثة في جميع أنحاء العالم تراقب الوضع عن كثب.
وينتهي التقرير إلى القول: «يُثير الاعتماد على أنظمة الأسلحة التقليدية تساؤلات جديدة حول الأولويات الاستراتيجية في مختلف جبهات القتال، وهذا يُعزز الحاجة الملحة إلى التحول نحو حلول أكثر استدامة». وبدون هذا التحول، ستظل الولايات المتحدة وحلفاؤها يواجهون مفاضلات لا رابح فيها بين جبهات القتال.
وعقدة المفاضلة بين الجبهات والأولويات ليست عقدة أوروبية، فأوروبا حسمت أمرها بتوجيه كامل ثقلها نحو أوكرانيا، لكنها عقدة أمريكية دفعت معدّي التقرير إلى تقديم توصية دعت إلى «إضفاء الطابع المؤسسي على الأنظمة متعددة المجالات القابلة للتشغيل البيني والعقد اللوجستية»، وهو ما لم تنجح الولايات المتحدة في تحقيقه وإنجازه بفاعلية في معركتها، على نحو حرمها من التموضع المريح في الإقليم، وكشفته التحذيرات المنفصلة لمواطنيها في المنطقة العربية من الهجمات الصاروخية الإيرانية.
ختاماً.. في المحصلة النهائية، لا يبدو نتنياهو متحمساً للحرب على إيران، فالاستعدادات لم تكتمل، والذخائر والعقد اللوجستية تفتقر إلى الفاعلية في المجال الافتراضي وفي الميدان السياسي والجغرافي. كما أن تعقيدات إدارة العمليات متعددة الجبهات دفعت أمريكا إلى الاستعانة ببلغاريا لاستضافة طائرات التزود بالوقود في قاعدة «بيزمر»، رافعة بذلك الكلفة التشغيلية لطائراتها المقاتلة، خصوصاً F-35، مخفضة بذلك فاعليتها الاستراتيجية. ذات الظاهرة المقترنة بإشراك الكيان الإسرائيلي في جولة القتال الأخيرة، كونها مكلفة لوجستياً وغير فعالة سياسياً، ما يعني أن تعقيدات تقنية عسكرية، إلى جانب تلك السياسية، تحول دون مشاركة نتنياهو في الحرب.