أتمنى أن يعود العيد سعيداً
محمد محيسن
ما زال العيد في الثقافة العربية كما كان: فرحة للبعض، وهَمٌّ ممزوج بأسى لآخرين، لكن الفجوة اليوم لم تعد فقط بين المتخم والمعدم، وبين من يعيش واقعه ومن يراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات.
في الأعياد العربية ينتظر الكثير من الناس أن يلملموا حصيلة عام من التعب والعمل، لكن هذا الانتظار بات ثقيلا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
لم تعد الحلوى وملابس الاطفال مجرد طقس اجتماعي، بل عبئا اقتصاديا يحسب له ألف حساب. وبينما يحاول البعض الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الفرح، يجد آخرون أنفسهم مضطرين لإعادة تعريف معنى العيد ذاته.
فالعيد بالنسبة لهؤلاء يأتي وهو محمل بوجوه مرهقة، وعيون أطفال تحلم بثوب جديد. لكن الجديد اليوم أن هذه الأحلام تقارن فورًا بما يعرض على الشاشات، فتتضاعف الحسرة، ويتحول العيد عند البعض إلى مناسبة لقياس الخسارات لا الفرح. وبمن يكتفي بالمعايدات الرقمية، ومن يحاول التمسك بما تبقى من طقوس، تتراجع فكرة الاجتماع لصالح أشكال جديدة من التواصل أقل كلفة وأكثر برودا.
أما الكبار فقد تغيرت علاقتهم بالعيد بين من يختار العزلة؛ هروبًا من الأعباء الاجتماعية، وحزنًا على ما يجري في غزة، بصمتٍ يثقل القلوب، بعد أن غاب صوت التكبير عن المسجد الأقصى.
وفي العيد ما تزال الفوارق الاجتماعية تظهر بوضوح، لكنها لم تعد تشاهد فقط في البيوت أو الزيارات، بل في الصور والمنشورات والتفاصيل اليومية. ومع ذلك، تبقى مساحة الأطفال أكثر براءة، حيث تختفي هذه الفوارق نسبيا، وإن لم تعد خفية تماما كما كانت.
العيد بالنسبة لأصحاب النفوذ والاغنياء، فما يزال استراحة، لكنه تحوّل أيضا إلى مساحة استعراض عبر وسائل التواصل، حيث تعرض مظاهر الرفاه بشكل يومي، لا موسمي. وهنا تتعمق الفجوة، إذ لم يعد الفقير يقارن نفسه بجاره فقط، بل بعالمٍ كامل يعرض أمامه بلا انقطاع!
أما السياسة فلم تعد ضيفًا على مجالس العيد، بل صارت جزءا اصيلا من نسيج الحديث اليومي. لم يعد الناس يحتاجون إلى مناسبة ليتحدثوا عمّا يقلقهم؛ فالقلق حاضر، والعيد يمر من خلاله، لا فوقه.
ومع كل ما يجري من أحداث، العيد لا يختفي بل يبقى فكرة وجدانية ووسيلة جميلة لجلب الفرح.
نعم قد يتغير شكله، يخف صوته، يتراجع أحيانا، لكنه لا يغيب. يبقى كفكرة جميلة أكثر منه كواقع: محاولة جماعية كل عام لإقناع أنفسنا بأن الفرح ممكن، ولو بحدوده الدنيا.
كل ما نتمناه أن يعود العيد سعيدًا كما كان..