الزرقاء المظلومة
عبد الله المجالي
كانت مشكلة الزرقاء الأساسية أنه لا أحد فيها يشعر بانتمائه إليها، إلا ما رحم ربي. لا تجد أحدا يجيبك عند سؤاله من أين أنت؟ أنا من الزرقاء.
كانت هذا طبيعيا قبل خمسين أو ستين سنة، حيث بدأت الزرقاء بتجمعات للعسكريين وموظفي سكة الحديد الذين جاؤوها من الشمال والجنوب، واللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة والنكسة، ومن قبلهم الشيشان، لتكبر الزرقاء وتتضخم، لكن الجميع يرى فيها مجرد مركز تجمع فحسب.
لكن الغريب أن يستمر ذلك الشعور حتى مع الأجيال اللاحقة التي ولدت وترعرعت على أرض الزرقاء وتحت سمائها، وحتى مع أبناء أولئك وأحفادهم. لقد ساهم الأوائل في تعميق هذا الشعور كما ساهمت فيه الحكومات المتعاقبة التي استسهلت تجاوز حقوق كتلة سكانية كبيرة لكنها كتلة مفككة يزيد من تفككها غياب الانتماء للمدينة التي تجمعهم جميعا.
لا زلت أذكر ذات مساء وأنا عائد من الجامعة مستقلا باص كوستر (الزرقاء الجامعة الأردنية)، فإذا بأغنية وطنية جديدة تصدح عبر المسجل. كانت الأغنية تتناول محافظات المملكة بالمدح مع التركيز على أكثر ما تشتهر به تلك المحافظة. استمعت بإنصات أنتظر، هل ستأتي الأغنية على ذكر محافظة الزرقاء أم ستتجاهلها كأغان أخرى. خصوصا وأن الزرقاء لم تحظ بأي أغنية وطنية قبل ذلك كباقي المحافظات، ولكأن الشعراء والكتاب نضبت أفكارهم وطاشت عقولهم أن يجدوا ما يمدحوا به الزرقاء، خصوصا أنهم يدركون أن لا وزارة الثقافة ولا التلفزيون الأردني سيتعبون أنفسهم بالبحث عن أهزوجة عن الزرقاء وتلحينها وغنائها، فليس هناك من سيعاتبهم إن لم يفعلوا ذلك!!
مرت الأغنية على المحافظات شمالا وجنوبا ووسطا تعلي من شأنها وتفتخر بها، وأنا أنصت وأنتظر.. أخيرا صدح المغني.. “والله لألحق محبوبي لو على الزرقاء وداني”!! ضربت كفا بكف وقلت ليته لم يأت على ذكرها.. إنها إهانة.. ينطبق عليها المثل “اجا يكحلها عماها”!!
الحال استمر مع هذه المدينة البائسة المظلومة التي لم تجد لها صاحبا يعلن بكل جرأة انتماءه إليها ويعمل على رفع الظلم عنها، إلا من رحم ربي، وهم قلة قليلة حاولت لكنها لم تفلح.
عقْد جلسة مجلس الوزراء أمس في مدينة الزرقاء، والإعلان عن برنامج تنفيذي تنموي للمحافظة بكلفة تزيد على 800 مليون دينار، لن يغير من الواقع الأليم للمحافظة الكثير، وهي المحافظة التي تسهم بشكل كبير في دعم ورفد الاقتصاد الوطني؛ تضم 52% من الصناعات الوطنية و 15% من المنشآت الاقتصادية. لكنها في المقابل لا تلقى الاهتمام والرعاية الكافية!!
نثمن الجهود الحكومية تجاه محافظة الزرقاء، ونثمن ما تقوله من أنها أنجزت 75 مشروعا من أصل 155 مشروعا مدرجا في الرؤية التنموية للمحافظة، لكن أهالي المحافظة بالكاد لمسوا أثر تلك المشاريع!! فعندما يكون الفتق كبيرا جدا فلن يظهر أثر الرتق إذا كان متواضعا!!