حرّقوه وانصروا آلهتكم!!
عبد الله المجالي
في مثال صارخ على التغييب التام للعقل وإدارة الظهر التام للمنطق الواضح الصريح، تأتي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام في حادثة تحطيم الأصنام.
يصور القرآن تلك الحادثة وذلك النقاش الذي انتهى بسرعة قياسية لصالح الحق، لكن النهاية لم تكن انتصارا للحق الذي أبلج وأحرج.
يستغل سيدنا إبراهيم انشغال القوم في أحد أعيادهم فيقرر أن يضعهم أمام أنفسهم ويحاججهم، فألهمه الله أن يحطم تلك الأصنام التي يعبدونها ويجلونها ويوقرونها ويقربون لها القرابين ويتبتلون عند أقدامها ويطلبون منها الرزق والشفاء والولد.. إنها آلهتهم التي وجدوا آباءهم يعبدونها فساروا على طريقهم دون وعي ولا تفكير.. لقد جمدوا عقولهم حتى تبلدت وثلمت فأراد إبراهيم أن يشحذها علها تزول الغمامة ويرون الحق.
فجاء إلى آلهتهم في المعبد المهيب الضخم وقد وضعوا أمامها أطايب الطعام والشراب!! فبدأ بمخاطبتهم: ألا تأكلون؟!! لماذا كل هذه الأطايب عند أقدامكم ولا تأكلوها.. ألا تشتهونها.. ما لكم؟!! لماذا لا تتكلمون، لماذا لا تردون عليّ؟!! فراغ عليهم ضربا بفأسه حتى جعلهم فتاتا على الأرض.. ثم انصرف بعد أن وضع فأسه في رقبة الصنم الأكبر الذي تركه صامدا شاهدا على جموده وعجزه وهوانه.
جاء القوم فإذا هم أمام مشهد مهول!! ما هذا؟!! ما الذي حدث هنا؟!! ما هذه المجزرة التي ارتكبت هنا بحق الآلهة!! استنفر القوم للبحث عن الفاعل!! بدأت الشبهات تحوم حول الفتى الذي لم يكن يخضع لتلك الآلهة، ذلك الفتى الذي لم يخرج معهم إلى العيد!! إنه إبراهيم.. اجلبوه فورا!! تم جلب الفتى لتعقد له محاكمة علنية في ذات مسرح الجريمة وأمام الآلهة المحطمة!! بدأت المحاكمة الغاضبة، والجمهور متسمر في مكانه ينتظر أن ينتصر لآلهته التي تعرضت للإهانة!! السؤال الأول: أأنت فعلت هذا بآلهتنا؟!! يا للغباء والسذاجة فهل يستطيع فتى ضعيف أن يوقع هذه المقتلة في آلهة تعبد وتقدم لها القرابين ويطلب منها النصر والولد والرزق!! استمرت المحاكمة ولا أحد من الجمهور انتبه إلى أن تلك الآلهة ضعيفة وأن المتهم بتحطيمها فتى مجرد فتى!! جاء دور الفتى إبراهيم ليرد. لم يجب بنعم ولا بلا!! كان موفقا ملهما مسددا من عند الله. قال بكل رباطة جأش: بل فعله كبيرهم هذا. ذاك الصامد هناك والدليل هو الفأس المعلق على رقبته. اندهش الملأ واندهش الجمهور. أكمل إبراهيم مرافعته: اسألوا بقايا هذه الآلهة المتناثرة على أرض المعبد.. اسألوهم إن كانوا ينطقون.. نزل الكلام على الجميع موقع الصاعقة!! وفي لحظة انكشفت الغشاوة عن العقول ووقفت أمام حقيقة ليست غائبة عنهم، بل حقيقة كانوا يرونها ويدركونها كل لحظة، كانت أمامهم في كل حين.. ثم شاء الله أن يعترفوا لكن بانكسار وصوت خافت كأنهم كانوا يخجلون من هذه الحقيقة التي كانت ماثلة أمام أعينهم كل هذه السنين.. يا رجل أنت تعلم أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تتكلم.. ظهر الحق وزهق الباطل.. ها أنتم اعترفتم بألسنتكم بالحقيقة.. أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم.. أف لكم ولما تعبدون من دون الله.. ثم التعقيب الأخير المناسب تماما للحالة.. أفلا تعقلون. أين عقولكم يا قوم.. كيف ذهبت وغابت بهذه الطريقة.. كيف استسلمت أجيال وأجيال ونخب ورجال مال وحكام ومحكومين لهذه الفرية المناقضة للعقل والواقع.. ماذا كانت النتيجة: هل عادوا لرشدهم؟!! هل غلبوا العقل والمنطق؟!! هل استسلموا للحجة الدامغة؟!! لا.. لقد رموا بكل المنطق والعقل والإدراك السليم وراء ظهورهم وأظهروا نزعة الجهل والحمق والتعصب، وبدل أن يرموا الحجة بالحجة هاجوا وماجوا وصرخوا: حرقوه وانصروا آلهتكم.. منتهى الحمق والغباء والتعصب؛ فبدل أن تكون الآلهة هي التي تنصرهم وجدوا أنفسهم هم الذين ينصرونها!!
هل تعتقدون أن هذا مشهد منبت؟!! لا.. فكثير ما يتكرر.. بل إن زماننا هذا مليء بتغييب العقل وإدارة الظهر للمنطق الواضح الصريح تماما كما تخبرنا قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام.. وهؤلاء المغيبون هم الملأ وعلية القوم وما يتبعهم من الرعاع والعوام والقطيع.. فتراهم حين يعدمون الوسيلة وتخونهم الحجة يصرخون ويستخدمون سلطاتهم.. أسجنوهم.. حاصروهم.. لا تسمحون لهم بالكلام.. إنهم سيؤثرون على عقول العامة!!