هل سيدخل العرب الحرب ضد إيران؟
عبدالله المجالي
بيان لافت صدر عن الأردن والسعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت والولايات المتحدة.
البيان استنكر الهجمات الإيرانية على الدول العربية المذكورة، واعتبرها تمثل “تصعيدًا خطيرًا ينتهك سيادة دول عديدة، ويهدّد الاستقرار الإقليمي”. وفي ختام البيان أكدت تلك الدول حقها “في الدفاع عن النفس في وجه هذه الهجمات”، وأكّدت التزامها “بالأمن الإقليمي”، ولم يفت البيان أن يشيد بما وصفه بـ”التعاون الفعّال في مجال الدفاع الجوي والصاروخي الذي حال دون وقوع خسائر أكبر في الأرواح ومن الدمار”، وأعتقد أن المقصود هنا هو الولايات المتحدة.
كنت أود أن يصدر البيان دون الولايات المتحدة بصفتها الدولة المعتدية بحسب القانون الدولي، وبصفتها الدولة التي جلبت كل تلك الفوضى والدمار!!
البيان الذي صيغ بدقة يشير بوضوح إلى أن الدول العربية المذكورة قد ضاقت ذرعا بالهجمات الإيرانية خصوصا وأنها “عرّضت المدنيين للخطر، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية” بحسب ما ورد في البيان، لكن السؤال هو إلى أين ستذهب الأمور بعد هذا البيان المشترك، وهل ستصل إلى إعلان تلك الدول الحرب ضد إيران؟
حتى هذه اللحظة فإن الدول العربية تمارس ضبط النفس العملي فيما تكتفي بالإدانة وبعض التحركات الدبلوماسية كما فعلت الإمارات، لكن إذا ما قررت تلك الدول الدخول في الحرب فهل ستدخل ككتلة واحدة أم كل دولة على حدة؟ وماذا سيكون موقف مصر؟ والسؤال الآخر هل ستدخل الحرب بالتعاون والتنسيق مع الحلف الصهيو أمريكي أم بقيادة عربية منفردة؟
مهما كانت الإجابات فإن مخاطر إعلان الدول العربية الحرب على إيران كبيرة وأكبر من الفوائد المتوقعة.
المأزق الأول هو طبيعة المشاركة، والواقع أنها ستكون بالتعاون الوثيق مع الحلف الصهيو أمريكي أو على الأقل ضمن القيادة المركزية التي تضم دول الخليج والعراق والأردن ومصر والتي انضم إليه الكيان قبل سنوات، وحتى لو أعلنت الدول العربية الحرب بشكل منفرد وبعيدا عن التحالف الصهيو أمريكي فإنه لن يطول الوقت حتى تعلن التعاون مع ذلك الحلف. وهنا قد يقارن الناس بين تعامل تلك الدول مع جرائم الإبادة التي خلفت أكثر من ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح ومفقود في قطاع غزة، كما يمكن أن يقارنوا بين تعاملهم مع الاعتداء الصهيوني على قطر وبين التعامل مع الاعتداءات الإيرانية.
المأزق الثاني هو القدرات التي تمتلكها الدول العربية للدخول في حرب على إيران، وهنا لا شك أن تلك الدول ستتعاون مع الولايات المتحدة وفق الاتفاقات المبرمة بينهما سابقا، وهذا يعني أن حرب العرب ستكون ضمن التحالف الصهيو أمريكي.
المأزق الثالث هو الهدف الذي سيعلنه العرب من دخولهم الحرب. بالتأكيد سيكون هدف دخولهم الحرب هو حماية مواطنيهم وسيادة أراضيهم والرد على الاعتداءات الإيرانية، لكن كيف سيتم ذلك؟ هل بالتصدي للهجمات الإيرانية، هذا يحدث أصلا. لكن تعاونهم مع الحلف الصهيو أمريكي سيجعلهم شركاء في هدف الحلف من هذه الحرب وهو إسقاط النظام الإيراني، فهل الدول العربية على استعداد لتبني هذا الهدف؟
المأزق الرابع هو ما هي القيمة المضافة التي يمكن أن يوفرها مشاركة العرب في الحرب؟ وهو أمر يتعلق بالمأزق الثاني، فليس لدى العرب أي قدرات عسكرية يمكن أن تساهم بصورة فعالة في هزيمة إيران! بل على العكس فمعظم القدرات العسكرية العربية متواضعة بالنسبة لإيران. وبرغم ذلك فإن من المتوقع أن يدفع الحلف الصهيو أمريكي العرب للدخول في الحرب لا لغايات تقديم إضافة نوعية بل لغايات ترسيخ الحلف العسكري بين الكيان والدول العربية الذي طالما سعى وخطط له الكيان، إضافة لإضفاء شرعية لحرب أمريكا والكيان على إيران.
المأزق الخامس هو رد الفعل الإيراني، فرغم استهداف بعض البنى التحتية، ولا أدري إن كانت تلك الاستهدافات متعمدة أم مجرد انتقام أم من مجموعات أخرى مرتبطة بإيران، إلا أن إعلان الحرب سيعني أن كل المصالح والبنى التحتية في دول الخليج والأردن ستكون أهدافا مشروعة من وجهة نظر إيران، وسيكون الخاسر الأكبر هو العرب، وستكون كل القواعد العسكرية بغض النظر عن وجود القوات الأمريكية والمطارات في مرمى الأهداف، كما أن لدى إيران القدرة على إيقاع خسائر كبير في الاقتصاد الخليجي يمتد لعقود.
المأزق الخامس؛ إن من شأن انخراط العرب خصوصا السعودية في هذه الحرب يمكن أن يحفز الحوثيين على دخول الحرب ما يعني مخاطر كبيرة على المنطقة الغربية من السعودية بما فيها مشاريع نيوم، كما يمكن إغلاق مضيق باب المندب، وقد أثبت الحوثيون عزما كبيرا في المواجهة التي خاضوها ضد الكيان والولايات المتحدة نصرة لغزة. كما أن دخول العرب الحرب سيحفز مجموعات الحشد الشعبي في العراق على شن عمليات تخريبية في الدول المحيطة سواء في الكويت أو الأردن أو سوريا.
المأزق السادس؛ يبقى الحليف الأمريكي حليفا غير موثوق، وإذا عجز عن تحقيق هدفه وهو إسقاط النظام وأوقف الحرب باتفاق ما مع النظام الإيراني، فإن ذلك يضع العرب في مخاطر كبيرة حيث أن النظام الإيراني لن ينسى لتلك الدول هذا الموقف.
المأزق السابع هو أن سقوط النظام الإيراني لن يؤدي بالضرورة إلى بروز نظام صديق للعرب، بل إلى بروز نظام صديق لواشنطن وتل أبيب حريص على مصالحهما وليس مصالح العرب، كما أن بروز نظام فارسي مدعوم من الولايات المتحدة والكيان بدل النظام المذهبي الشيعي سيكون وبالا على العرب ربما أكثر من النظام المذهبي الشيعي المحاصر.
ربما يفكر بعض العرب أن المشاركة في الحرب وتحقيق أهدافها يجعلهم في موقع الشراكة في وضع التصورات القادمة لإيران والمنطقة بما يأخذ مصالحهم بالحسبان ولا يجعلهم على الهامش، لكن المعطيات والقدرات العربية لا تشير إلى ذلك.
لا شك أن دخول العرب الحرب ليس في مصلحة إيران خصوصا فيما يتعلق بشرعية الحرب، وعلى إيران أن تدرك ذلك.
وفي هذا الصدد يقول رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم: “يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن إيران انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا.. هناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف. ولذلك فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران.. علينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا”.