رمضان في السجن: مشاهد من داخل سجون الاحتلال
رمضان في الخارج موعدٌ ثابت لا يخطئه القلب؛ مائدة تجمع العائلة، ضحكة عابرة، دعاء يُقال بصوت مرتفع، وكرسي لا يجوز أن يبقى فارغا.
لكن في السجن، يأتي رمضان مختلفا، لا يدخل من الباب، بل يتسلل عبر ثغرة ضيقة في الجدار، محمّلا بالغصّة، ومجرداً من كل ما اعتدناه معنًى للشهر.
في الأسر، لا يُستقبل رمضان بالزينة ولا بالاستعداد، بل بالصمت؛ صمت الزنازين، وصمت الأخبار المقطوعة، وصمت القلب حين يتذكّر أن مقعده على مائدة العائلة هذا العام -ككل عام- سيبقى فارغاً.
يعرف الأسير أن رمضان حلّ، لا لأن صوت المدفع دوّى، ولا لأن المساجد امتلأت، بل لأن وجبة السجن تغيّر توقيتها، ولأن الجوع صار منظّمت أكثر.
الإفطار هنا ليس فرحاً، بل إجراء؛ صحن بارد، كمية أقل، ووقت أقصر، وكأن حتى الجوع يجب أن يُضبط أمنياً.
في هذا الشهر، يتضاعف الألم، ليس لأن الصيام أصعب، بل لأن الذاكرة أنشط، رمضان يفتح دفاتر العائلة واحدة تلو الأخرى:كيف حالهم؟ هل اجتمعوا؟ من جلس في مكاني؟ هل تركوا الكرسي فارغاً؛ احتراماً للغياب، أم اضطروا لملئه كي لا ينكسر المشهد؟
الأسير لا يعرف، لا وسيلة لسماع صوت أمّه، ولا مكالمة تطمئنه، ولا زيارة يكحّل بها عينيه برؤية الأحبة.
العزل هنا ليس فقط عن المكان، بل عن الطمأنينة، وفي زمن تُقطع فيه الرواتب، ويشتد فيه التضييق على العائلات، يصبح القلق على الخارج أثقل من قيود الداخل.
رمضان في السجن يمرّ بلا ليال عامرة، بلا تراويح جماعية حرة، بلا دعاء يُقال جهاراً دون حساب.
حتى العبادة تخضع للرقابة، وحتى الخشوع يُمارس بحذر، لكن رغم ذلك يتمسك الأسرى بالشهر كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة؛ يقرؤون القرآن ليعيدوا ترتيب الوقت والقلب، يقسّمون اليوم بين صبر وصلاة، ويحوّلون الجوع إلى معنى، لا إلى هزيمة.
في هذا الشهر، يتعلّم الأسير أن الصيام ليس الامتناع من الطعام فقط، بل القدرة على احتمال الغياب، أن تصوم عن العالم، عن الأخبار، عن الوجوه، عن اللمسة، ومع ذلك تبقى واقفًا.
رمضان في السجن ليس شهر فرح، لكنه شهر اختبار، اختبار للذاكرة، وللإيمان، وللقدرة على البقاء إنسانًا في مكان يُراد لك فيه أن تنسى نفسك.
يمرّ الشهر، كما مرّت أعوام قبله، ويمرّ الكرسي الفارغ على المائدة في الخارج، ويمرّ الأسير في زنزانته، لكن ما لا يمرّ هو هذا الوجع الصامت.
ولا تمرّ حقيقة واحدة: أن رمضان، مهما قُطعت معانيه، يظل شاهدا على غياب قسري، وعلى عائلات تفطر ناقصة، وعلى أسرى يصنعون من الصبر عبادة، ومن الانتظار حياة مؤجلة.