“البوصلة” الفلسطينية ضائعة على وقع “الضم” واعتقالات السلطة
القرارات الأخيرة التي اتخذها الاحتلال الصهيوني خطوة فعلية لتحويل الضفة المحتلة إلى مناطق تخضع بالكامل لسيطرة “الإدارة المدنية”، مما يعني عمليا تصفية وجود السلطة الفلسطينية وإنهاء أي أفق لما يسمى زعما “عملية السلام” ودفن إشلاء ما تبقى من “اتفاق أوسلو”.
أحد أشكال هذا الموت المؤكد والمحتوم هو نقل صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل من بلدية الخليل إلى “الإدارة المدنية الإسرائيلية” بهدف منح المستوطنين الحق الكامل في التحكم بالحرم دون أي تدخل من سلطة أخرى، بالتالي تغييب السيادة الفلسطينية وتفكيك الارتباط القانوني الذي كان يمنح بلدية الخليل الولاية على هذه المنطقة الاستراتيجية.
كما أن قرار فتح ملفات وسجلات الأراضي في الضفة المحتلة يفتح الباب للمستوطنين لشراء العقارات والأراضي مباشرة من أصحابها دون وسيط أو رقابة، مما يسهل عمليات التهويد .
ولا يتوقع أن تخرج لقاء بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأية مواقف عملية بخصوص تهويد الضفة الغربية، فكلاهما، ترامب ونتيناهو، يقومان بعملية “تبادل الأدوار” فبينما ترامب يحذر بشأن ضم الضفة، تمضي الحكومة برئاسة نتنياهو في تنفيذ المخطط على الأرض دون اكتراث بالمواقف الأوروبية أو الأمريكية، وتوقيت هذا “الضم” هو إيصال رسالة مفادها أن الضم قد بدأ فعليا، ولا دعي للحديث حوله بشكل علني على الأقل، فوفقا لما رشح فإن لقاء ترامب ونتنياهو سيكون مغلقا ودون حضور وسائل الإعلام، وربما يتعلق الأمر أيضا بإيران.
وبحسب الباحث المختص في شؤون الاستيطان الدكتور عبد الناصر مكي فإن الاحتلال لا يسعى لتفكيك السلطة الفلسطينية كليا، لكنه يريدها “سلطة بلا سلطة”، مجرد أداة لتنفيذ مهام خدمية بينما يسيطر الاحتلال على الموارد الحيوية من مياه وآثار، والمناطق السيادية لتوسيع صلاحيات الهدم والسيطرة لتشمل مناطق (أ) و (ب) وليس فقط مناطق (ج)، والحيز الجغرافي لتحويل التجمعات الفلسطينية إلى “كنتونات” معزولة ومحاصرة بالمستوطنات.
وأظن بأنه لمواجهة هذا المخطط لا بد من اجتماع طارئ للدول العربية على مستوى القادة لإيصال رسالة لواشنطن بان ما يقوم به نتيناهو وعصابته يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، لكن كل ذلك يتطلب في المقام الأول تحرك فعلي من السلطة واجتماع شامل يضم كافة القوى الوطنية والإسلامية (بما فيها حركة حماس والجهاد الإسلامي) لبلورة موقف موحد، فالتشتت والانقسام الحالي سيعيد سيناريو نكبة عام 1948 وضياع ما تبقى من الأرض.
ولا اظن أن السلطة قادرة على اتخذا مثل هذه المواقف الوطنية والشجاعة فهي تمتلك سيقان من ورق وتحتاج لمن يحملها على ذلك، خصوصا وأنها بدلا من مواجهة عملية “الضم” للضفة الغربية وعمليات الهدم والتهجير والتنكيل بالأسرى، تتوسع السلطة في عمليات الاعتقال السياسي وهو ما يعد في هذا التوقيت، عارا وطنيا وأخلاقيا .
الظروف الحالية تفرض مراجعة شاملة للموقف الفلسطيني، وفي مقدمتها إنهاء الاعتقال السياسي والإفراج الفوري عن المعتقلين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء عليهم أو حرمانهم من حقوقهم و وقف التنسيق الأمني وإنهاء كافة أشكال العلاقة مع الاحتلال، كل ذلك كقيل باستعادة البوصلة الوطنية وتعزيز وحدة الصف في مواجهة سياسات الاحتلال.