“إذاعة القسم الخلفية”.. كيف يقاوم الأسير إجراءات الاحتلال السادية؟
في السجن، لا يكتفي السجّان بإغلاق الباب أو تقييد اليد والقدم، بل يمارس ساديته بلا سقف، محاولًا خنق الروح ذاتها، وتضييق المساحة حتى على الحلم. ساديةٌ تتجاوز الحديد إلى الهواء، كما عبّرت عنها مديرة قسم (22) في سجن عوفر بقولها: “لو أستطيع منع الهواء عنكم، لما قصّرت”.
جملة تختصر فلسفة القمع، حيث يتحول الأسير إلى جسدٍ محاصر، وروحٍ مطاردة حتى في أنفاسها.
يُحاصَر الأسير بكل الوسائل الممكنة؛ بالعزل، والمنع، والمراقبة الدائمة، وبسياسة ممنهجة تهدف إلى هدم النفس، وكسر العقل، وقطع آخر خيطٍ يربطه بالعالم الخارجي.
هنا، لا شيء يُترك للصدفة؛ حتى الصمت نفسه واقعٌ تحت الرقابة، وحتى الأفكار تُعامل كخطرٍ أمني.
لكن، وبرغم كل محاولات القمع والتجويف، يبتكر الأسرى طرقهم الخاصة لمواجهة السجّان.
يصنعون من العتمة نافذة، ومن المنع حياة، ويعيدون ترميم أرواحهم بما تيسّر، متحدّين أدوات القهر بالإبداع، وملتفين على السادية بالحيلة والصوت.
وحين منعت إدارة السجن التواصل عبر الأبواب والشبابيك الأمامية، وحُظِر الكلام والنداء، التفت الأسرى إلى الخلف… إلى الشبابيك الخلفية للغرف.
من هناك، وُلدت “إذاعة القسم الخلفية”؛ مساحة ضيّقة تحوّلت إلى متنفسٍ واسع للكلام والسلام. لم تعد مجرد فتحاتٍ من حديد، بل صارت شرايين للروح، ومنابر لا يُطالها المنع.
في عالمٍ صادر فيه الاحتلال كل شيء: لا مذياع، ولا تلفاز، ولا هاتف، ولا ورقة ولا قلم، حتى الكتب لم تنجُ من المصادرة، ولم يبقَ في الغرف سوى نسخٍ قليلة من المصاحف.
كل وسيلة ترفيه مُلاحَقة، وكل قطعة شطرنج تُعدّ تهمة، وكل محاولة للفرح تُواجه بالعقاب، ومع ذلك، لم يستسلم الأسرى للفراغ، ولم يسمحوا للصمت أن يتحول إلى مقبرة.
حوّلوا تلك الشبابيك إلى إذاعةٍ حقيقية، لها فقراتها وبرامجها. مرةً تسمع شابًا يُنشِد بصوتٍ دافئ يكسر برد الزنازين، ومرةً أخرى يقلّد أحدهم الأصوات، فتضحك الأقسام كأنها تتنفس للحظة. وثالثٌ يستعيد مشاهد من مسلسلٍ عالقٍ في الذاكرة، كأنه ينتزع زمنًا مسروقًا من بين أنياب السجن.
وحين تتسلل الأخبار عبر محامٍ أو عبر “البوسطة”، يرتفع النداء من الخلف:
«على السمع يا شباب… في أخبار جديدة».
فيسود الصمت، وتتجه القلوب قبل الآذان نحو الشبابيك. يتجمع الأسرى واحدًا تلو الآخر، يصغون لنشرة أخبار مختصرة، لكنها أثمن من العالم كله، ليعرفوا ما يجري خارج الجدران التي حاولت عزلهم عن الحياة ودفنهم أحياء.
هكذا، في قلب السجن، انتصر الصوت على الجدار، وانتصر الإنسان على العزل. لم تكن “إذاعة القسم الخلفية” مجرد وسيلة تواصل، بل فعل مقاومة يومي، ورسالة عناد، وإعلانًا صامتًا بأن الروح الفلسطينية، حتى خلف القضبان، عصيّة على المصادرة.
