الأخبار

حين حسدتُ العصفور.. شهادة أدبية من داخل السجن

يناير 26, 2026 3:19 م
عامر أبو عرفة

في السجن، تنقلب المقاييس، وتتبدّل بوصلة الحسد، لا تعود العين معلّقة بثروةٍ أو رفاه، ولا بالقادمين من الشوارع المفتوحة، ولا حتى بمن يعيشون حياةً عادية؛ في السجن، نحسد ما لا يُحسد، حسدتُ عصفورًا.

عصفورًا صغيرًا، هشّ الجناحين، لكنه كان يملك ما حُرمنا منه: الحرية والحركة.
كان يقف على شبك القسم الحديدي، أو يحطّ على حافة نافذة غرفتنا الضيقة، كأنه يذكّرنا بثقل أجسادنا، وبأرواحٍ أرهقها الانتظار.

هو يطير بلا إذن، يحلّق متى شاء، يغيّر اتجاهه كما يغيّر نبضه، بينما كنّا نحن معلّقين في زمنٍ لا يتحرّك، مكبّلين بقيودٍ لا تُرى فقط، بل تُحسّ في المفاصل، وفي الصدر، وفي الذاكرة، بعيدين عن أحبّتنا، عن أبنائنا، وعن تفاصيل الحياة التي كانت يومًا بديهية.

كنّا نراقبه بصمتٍ كثيف، كل رفّة جناح كانت صفعة، وكل قفزة صغيرة كانت تذكيرًا جارحًا بما فقدناه، هو في الهواء، ونحن على الأرض، بلا أجنحة، بلا خيار، بلا يقين، نجهل مصيرنا: هل سنخرج أحياء، أم سنغادر السجن محمولين على الأكتاف؟

في السجن، الخوف لا يأتي وحده؛ يمسك بيد اليأس ويدخلان معًا، لا تعرف متى سيكون موعدك مع القمعة التالية، ولا أيّ وحدة اقتحام ستختارك، ولا أيّ العذابات أقلّ وجعًا: ضربٌ أعمى، أو رصاص مطاطي يُطلق ببرود، أو كلبٌ يُفلت عليك وأنت مطروح على الأرض، بلا قدرة على الدفاع أو الصراخ.

وبين الضرب والتنغيص اليومي، وحرمان الساحة، وقلّة الطعام، صار العصفور اختصارًا لكل ما سُلب منّا: الحرية، والهواء، والحياة.

كنّا نتقاسم فتات الخبز الشحيح الذي يمرّره السجّان، نرميه خارج الشبك، ونراقب العصافير وهي تتسابق عليه، أيّها سيصل أولًا؟ وأيّها سيبقى جائعًا؟ حتى العصافير جاعت معنا، وحتى الحرية الصغيرة لم تنجُ من قسوة المكان.

مع الوقت، حفظنا العصافير كما نحفظ وجوه الأسرى، نميّز العصفور القديم من القادم الجديد، ونراقب لحظاته الأولى في الطيران بشغف، وكأننا نعلّق أرواحنا على جناحيه، ونطير معه بعقولنا وقلوبنا.

وفي حرّ سجن نفحة الصحراوي، كنّا نتسابق لوضع الماء له أولًا، لا لأن العصفور وحده يحتاجه، بل لأننا كنّا بحاجة إلى فعلٍ إنساني صغير، كأننا، بإنقاذه، ننقذ ما تبقّى من إنسانيتنا، ونقول لأنفسنا: لم نمُت بعد، والعطاء ما يزال ممكنًا رغم القيد.

كان العصفور يطير، ونبتسم له بحسدٍ صامت، بعيونٍ تلمع بأملٍ خافت، نتمناه يومًا… اليوم الذي نغادر فيه الزنزانة كما يغادر هو الشبك الحديدي: بلا قيود، بلا إذن، وبحريةٍ كامل، حريةٌ كانت لنا يومًا، لكننا لم نعرف معناها حقًا، إلا حين حسدنا العصفور.

حين حسدت العصفور

مواضيع ذات صلة
الزرقاء المظلومة
الزرقاء المظلومة

يونيو 21, 2026 8:54 م

  عبد الله المجالي كانت مشكلة الزرقاء الأساسية أنه لا أحد فيها يشعر بانتمائه إليها، إلا ما رحم ربي. لا...
غاب وجاب!
غاب وجاب!

يونيو 20, 2026 9:14 م

عبد الله المجالي لقد حقق الرئيس الأعظم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية النصر الأعظم في تاريخ البلاد الممتد منذ ما...
“الجنون بيد ترامب”
“الجنون بيد ترامب”

يونيو 20, 2026 2:45 م

  المقدمة جاء في كتاب “المُقسِّم” (The Divider)، الذي يُعدّ من التوثيقات السردية لفترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، مشهدٌ كاشف:...
مصير العالم بين يدي هؤلاء.. الله يستر
مصير العالم بين يدي هؤلاء.. الله يستر

يونيو 17, 2026 7:51 م

عبد الله المجالي كنت أود أن أكتب عن الحادثة الخطيرة التي مرت مرور الكرام، وهي حادثة سقوط القاذفة الأمريكية الاستراتيجية...
المواطن السبعيني الذي يُكوّن نفسه!
المواطن السبعيني الذي يُكوّن نفسه!

يونيو 16, 2026 10:12 م

د. ذيب عبد الله خطاب [*] نائب أسبق وطبيب أطفال كان معالي عبد الهادي المجالي يرد على النواب المعارضين للذهاب...
“كركوك – بانياس”: كيف توظف واشنطن الطاقة والعقوبات لترميم نفوذها في المشرق؟
“كركوك – بانياس”: كيف توظف واشنطن الطاقة والعقوبات لترميم نفوذها في المشرق؟

يونيو 16, 2026 7:21 م

كتب: حازم عياد [*] باحث ومحلل سياسي جاء إعلان “المضي قدماً في مذكرة التفاهم مع شركة TI Capital الامريكية لإعادة...