أمريكا ليست أهلاً لتصنيف أحد
تصنيف أمريكا للأشخاص والجماعات والشركات والدول لا يعتد به، فأمريكا هي راعية الإرهاب الأولى في العالم، وهي التي ترعى كيان الإبادة الجماعية الذي مارس الجرائم الأبشع في العالم، وهي ترعى مجرمي حرب مطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية، وهي الدولة التي تفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية! وهي الدولة التي شنت حروبا غير شرعية وارتكبت آلاف الجرائم ضد المدنيين في أفغانستان والعراق والصومال!
تصنيف أمريكا لا يعتد به؛ فتصنيفها يعتمد فقط على المعايير والمصالح الأمريكية الخالصة، ولا علاقة له بالقيم والقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، ولذلك فتصنيف واشنطن أداة سياسية لإخضاع الدول والجماعات والأشخاص الذين ترى فيهم معرقلون لسياساتها ومخططاتها ومصالحا في العالم.
لكن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير بتصنيف تنظيمات جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ومصر ولبنان يأتي علامة فارقة، فالإدارة لم توارب كعادة الإدارات السابقة وتغلف القرار بتبريرات قانونية أو أخلاقية أو حقوقية، بل كانت واضحة وهي تقول إن التصنيف يأتي على خلفية دعم تلك التنظيمات للمقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس التي تقاوم الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
وعليه فإن القرار مبني أساسا على وصم حركة حماس والمقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وهي في المعايير الأخلاقية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة حركة تحرر وطني تسعى لتحرير أرضها. وعليه فإن كل من يرحب بهذا التصنيف، فإنه يعترف ضمناً بأن المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني إرهابية، وهي أكبر خدمة تقدم للكيان الصهيوني المعتدي.
لا شك أن التصنيف يأتي في سياق الصراع العربي الصهيوني دعماً للأخير في وجه من يقفون بوجه مخططاته التوسعية، ولذا فإنه من السخف أن يرمي مناوئو وخصوم وأعداء جماعة الإخوان المسلمين الجماعة بالإرهاب، ويقدمون التصنيف الأمريكي دليلاً على ذلك.
وأكثر من السخف أن يستخدموا التصنيف الأمريكي للترويج لشيطنة الجماعة! فواشنطن ليست ميزان العدالة والأخلاق في العالم، ناهيك أن سبب التصنيف هو العمل على تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، والوقوف ضد مخططات الكيان التوسعية في المنطقة.
وبرغم سطوة الولايات المتحدة وسيطرتها على النظام المالي العالمي، وقدرتها على الضغط على من تريد، ولا سيما تلك الدول الضعيفة، فإن هذا لا يجب أن يعني أن قوانين أمريكا تسري في تلك الدول، فلكل دولة سيادتها وقوانينها والجميع في تلك الدول يخضعون لدساتيرها وقوانينها وليس لقوانين الولايات المتحدة.
ويمكن القول إن الأردن يدرك هذا الأمر، ولذلك فقد جاء رد الحكومة المقتضب على تصنيف تنظيم جماعة الإخوان في الأردن، بأن الأردن يتعامل مع كافة الملفات ضمن مصلحة الدولة العليا ووفقا لأحكام الدستور والقانون؛ أي أن ما يحكم هذه المسألة هو الدستور والقانون الأردني.
ومع عدم التقليل من تداعيات ومخاطر التصنيف الأمريكي، فربما لن تلتفت قيادات الجماعة التي حظرتها الحكومة في نيسان الماضي، وصنفتها واشنطن إرهابية أمس، إلى تداعيات ذلك على مصالحهم الشخصية بقدر تداعيات ذلك على مصالح الوطن العليا، وعلى عملهم تجاه نصرة القضية الفلسطينية والوقوف ضد مخططات الكيان وأطماعه في الأردن.
وإن كنت أظن أن قيادات الجماعة المصنفة أمريكياً بالإرهاب ستعتبر ذلك وساماً على صدر الجماعة، ودليلاً واضحاً على صحة منهجها، وعلى وقوفها الحازم ضد الغطرسة الأمريكية وضد حليفه الكيان، ومع القضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، وأنهم يقفون في الجانب الصحيح من التاريخ، ما سيزيد رصيدهم الشعبي أكثر من السابق.