لماذا يرحل الطيبون دون وداع؟
لماذا يرحل الطيبون دون وداع، وكأن عيونهم وقلوبهم المرهفة خلقت لاحتمال الفقد بصمت؟
سؤال يتكرر كلما غاب وجه كان الأمان يسكن ملامحه، وكلما ترك الراحلون فينا فراغا لا يشبهه شيء. الطيبون لا يكثرون الضجيج في حضورهم، لذلك يكون غيابهم أثقل من أن يحتمل.
كانت ام محمود واحدة من أولئك الذين مروا في الحياة بالتأثير لا بالادعاء. امرأة جميلة الروح قليلة الكلام، لا يعلو صوتها، لكنها ثابتة كالدعاء في آخر الليل. هي من أولئك الثقات الذين لا يعرفون الخصام، ولا يحملون في قلوبهم سوى الخير، فإذا تحدثوا ختموا كلامهم بدعاء، وكأنهم يسلمون أمرهم دائما لله.
لم تكن ام محمود تستقبل الحياة بشكوى، بل بابتسامة هادئة تعرف وجعها جيدا، لكنها لا تبوح به. ابتسامة امرأة قست عليها الحياة منذ ان خرجت من قريتها الصغيرة طمون في فلسطين، فحملت الوطن في قلبها لا في حقائبها. كان الوطن يسكن في صبرها، وفي قدرتها العجيبة على الاستمرار دون تذمر.
عرفتها من خلال ابنها الوحيد محمود بشارات أبو ثائر، فقد كان امتدادا طبيعيا لذلك القلب الكبير، رجلا تعلم الكرم دون أن يتعلمه، وكأن العطاء جزء من اسمه، لا صفة تضاف إليه. كان إذا أعطى فعل ذلك بصمت، فكان صورة صادقة لتربية عرفت الدعاء قبل الكلام.
وعرفتها أيضا من خلال شقيقتي أم ثائر التي كانت لغزاً محيراً في طيبتها، فإذا أحبت أحبت بصدق لا تشوبه مصلحة، وإذا غضبت تتعالى على غضبها بهدوء المحب.
تشعرك بقربها حتى وإن كنت بعيدا دون تكلف، وقلبها يتسع لكل للناس كما يتسع البيت لأهله، فهي من أولئك الذين يجعلون الخير سهلاً، والحنين أخف على القلوب.
لم يكن الكرم عندها مالاً يُبذل، بل كلمة طيبة، ويداً تُمَد في وقت الحاجة، وقلباً يتسع للناس كما يتسع البيت لأهله.
عاشت ام محمود كما يليق بالطيبين: بهدوء، ورحلت كما عاشت، بهدوء يشبه الدعاء.
لم تترك خلفها ضجيجاً، لكنها تركت أثرا عميقا، وحنيناً لا يخفت.