الضفة لن تنفجر وستبقى تتآكل بصمت وبالتجزئة
لا أميل إلى تصديق التحليلات التي تقول بأن الضفة الغربية على وشك الانفجار، عامان تقريبا وهي تشاهد على بعد أمتار مجزرة مفتوحة وعملية تجويع ترتكب ضد أخوتهم الفلسطينيين في قطاع غزة، ولم يحركوا ساكنا.!
طارد الاحتلال جميع رموز المقاومة في الضفة الغربية وقتل غالبتيهم وأسر القليل منهم، ولم يوفروا لهؤلاء المقاومين الحماية ولا الحاضنة الشعبية.
دمر الاحتلال مخيمات شمال الضفة الغربية وشرد أكثر من 40 ألف من سكانها، ولم يتحركوا.
عاث المستوطنون خربا وفسادا وتدميرا لغالبية الريف الفلسطيني وكأن ما يجري في كوكب أخر.
اعتقل الاحتلال المئات من الشبان والفتيات والنساء ونكل بهم في الطرقات ولم تصدر شكوى منهم.
مارس الاحتلال عمليات إعدام ميدانية ولم يغضب أحد.
لا أصدق بأنها أصبحت بيئة مشحونة بكل سمات الانفجار الداخلي، حيث تتصاعد الاعتداءات الاستيطانية يوميا، وتتعرض القرى والمدن الفلسطينية لاقتحامات عسكرية متكررة، مصحوبة بمداهمات واعتقالات واسعة، بينما يواصل المستوطنون التوسع على حساب الأراضي الفلسطينية بلا رادع أو محاسبة.
ليتني أصدق بأن الضفة الغربية على شفا انفجار شامل؛ بأن المقاومة آخذة في التمدد، وبأن ثمة غضبا شعبيا مكبوتا، وفراغا إداريا وسياسيا متزايدا، كل ما أراه هو تغول واضح في الانتهاك الإسرائيلي بحق أهل الضفة على اختلاف أماكن تواجدهم.
هذه كلها عوامل مهمة للانفجار لكن لا يبدو في الأفق أي تحرك شعبي سواء ضد السلطة الضعيفة والمنسجمة مع الرؤية الأمريكية لقطاع غزة، أو ضد الاحتلال ومستوطنيه، قواعد الصراع على الأرض غير موجودة.
لا أعرف إن كانت التراكمات قد تشكل ضغطا على الفلسطينيين وبأنها صلت إلى نقطة غليان يصعب احتواؤها.
لماذا لن تنفجر الضفة؟ لأن السلطة تقوم بدور قمعي بلا حدود ويتجاوز جميع المحرمات الوطنية الفلسطينية، ولأن الاحتلال يتحرك ضمن خطة مرحلية ممنهجة لفرض وقائع جديدة على الأرض وشرعنة التوسع الاستيطاني بهدف السيطرة على أكثر من 40٪ من أراضي الضفة.
السيناريوهات تقول بأن الاحتمالات تقع بين: انفجار أمني مسلح واسع، أو اندلاع انتفاضة ثالثة وموجة مقاومة مدنية واسعة، أو حدوث فراغ مع تآكل دور السلطة، وبالتالي تنشأ قيادات ميدانية أو مجموعات تتولى ملء هذا الفراغ.
والسيناريو الأكثر احتمالا في ظل الضعف العربي والاندفاع الأمريكي بلا شروط وراء العصابة في تل أبيب هو هجوم إسرائيلي عنيف عبر عمليات عسكرية مركزة. فوفق تقديرات وسائل إعلام إسرائيلية والتحذيرات الأمنية الرسمية الصهيونية، قد تلجأ الدولة المنبوذة إلى تعزيز انتشارها العسكري في الضفة، أو شن عمليات ميدانية واسعة ضد خلايا المقاومة، أو فرض تغييرات سياسية وأمنية عميقة، وربما إعادة إنتاج استراتيجية تجزئة الضفة.
في جميع الأحوال تبدو الضفة تتآكل، فيما الصمت وقلة الحيلة والخوف وعدم وجود قيادة ميدانية تقود هذا الشعب، تصنع أمامنا واقعا كئيبا وسوداويا بخصوص مستقبل الضفة.