الأخبار

اللغة والتفكير: هل يستطيع الإنسان الكلام دون أن يفكر أم هل يستطيع التفكير بغير لغة؟

نوفمبر 20, 2025 1:35 م
عبد الرحمن نجم

لا يَسَعنا سَلْخ “التفكير” كفعل عقلي مُعقَّد من “اللغة” كمُوَاضَعَة رَمْزية لسانية عند عقد الحديث على أحدهما أو كليهما، إلا إذا جَوَّزنا –وليس يُجَاز- أنْ نَضْرِب عن مَوضع المَحْبرة من القلم.
ولئن كان “التفكير” غرفةً في التمثيل القياسي، فلا جَرَمَ أن تكون “اللغة” النورَ الذي تُرَى به أنحاء هذه الغرفة؛ ذلك لأنَّ اللغةَ آلة التفكير، وأداة التعبير عنه، وحَسْبُنا من الدليل قوله تعالى في سورة البقرة: (وعَلَّمَ آدم الأسماء كلها..)، وقوله في سورة الرحمن: (خلق الإنسان عَلَّمه البيان).
أمَّا “الأسماء كلها” فمن نَحْو مُسمَّيات الأشياء (أيْ: الألفاظ كُلِّها)، فكأنه عز وجل إنما أَلْهَم الإنسانية كلها، المُعبَّر عنها بـ”آدم”، اللغة اللفظية المُجرَّدة؛ ليُخَوِّلها –أعني الإنسانية- بها أسباب التوصل للمعاني غير المُجرَّدة (التفكير).
واشتراك الناس في وحدة الأداة (اللغة) التي هي تَعليم من عند الله للبشرية (قام مَقَامها آدم)، وعدم تَغْليب وحدة تفكيرية بعينها على عقولهم، يَنُم على أمرين؛ الأول: شَرَف المُبتَدأ بالتعليم (اللغة اللفظية) على المُؤخَّر (التفكير) المُتوصَّل إليه بالمَبْدوء، لذلك قال الله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أيْ: كي تفهموا عن الله، حيث لا يكون الفهم إلا بعد تفكير، والتفكير هنا أَعَانت عليه عربية ألفاظ القرآن، ورحم الله عمر بن الخطاب القائل: “العربية نصف العقل”؛ بما تُعينه على الفهم.
والثاني: أن “التوقيف” على أصل مَنْشأ اللغة لا يُعَارضه مَذْهب “الاصطلاح” عليها؛ فهي “توقيفٌ” مَهْدًا، “اصطلاحٌ” تَلْقينًا وتَطَوُّرًا.
ولو أن امرأً هَمَّ أنْ يرتحل إلى جامعة أرضٍ غير ذي لسانٍ عربيٍّ طالبًا، فليس له بُدٌّ من تقديم ارتياض لغة أهلها؛ إجادةً لها، ونُطقًا بها، وظهورًا عليها، على تَعَلِّم عِلْمها الذي إنما أَجَاءَه إليها، بقطع النظر عن حظه من الذكاء، وقَدْر البناء المعرفي لديه؛ لأنَّ علمها الذي يَنْشده مُبَانٌ عنه بألفاظ أهلها، وما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب.
ولعلهم من هنا قالوا إن “الهُوية ظاهرة لُغوية”، بل زادوا فقالوا تَوَسعًا في أحدث التعريفات إن “الفلسفة مَبْحث لُغوي”، وهذا الإجماع على “لغوية” الهُويات والعلوم يُحيلنا على أن اللغة –على اختلافها بين الأمم- أصل العلوم برمتها.
فلئن اختلفت حاجة العلوم إلى بعضها، فإنها تشترك على بَكْرة أبيها في حاجتها إلى اللغة، وبمعنى آخر أوجز: تختلف العلوم في أصل مادتها وطبيعتها وغرضها (تطبيقات علم النفس مَثَلًا غير تطبيقات الفيزياء الطبيعية)، لكنها تتشابه مع بعضها في وحدة اللغة.
وإن لعالم اللغويات ستيفن بينكر كلامًا لا يتصل في العلاقة مع ما نُدير الحديث عليه من قول، ولكني رأيتُه ضَرَب مثالًا لـ”اشتراك اللغات بأكملها في المجموعة العميقة نفسها من القواعد النحوية”، غَلَبَ على ظني أنه يخدم بطَرْف خفي موضوعنا؛ إذ يقول: “لو قُدِّر أن يزور عالَمٌ من كوكب المريخ الأرض، فسيستنتج أنه باستثناء الكلمات غير ذات المعنى؛ فإن أهل الأرض يتكلمون لغة واحدة”.
فإذا استبان لنا هذا النَّسَب الشريف بين “اللغة” والتفكير” بَلَغْنا مراد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: “تعلموا العربية؛ فإنها تُثَبِّت العقل، وتَزيد في المروءة”؛ ذلك أن العربية قَيَّدت مكارم العرب وأخلاقهم، فضلًا عن أنها وعاء الدين، بالقرآن والأشعار السائرة والأمثال المضروبة، ومعلوم أن العرب خير الأمم في زمانها، ولذا اجتباها الله لحمل أمانة آخر الرسالات السماوية، فمن هذا الوجه أَسْقَطَ العِلْم بالعربية إلينا الحالة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية لذلك العصر بمحامدها ومساوئها.
وإذا كان المرء –وَفْق نظريات علماء الأجناس والسلالات البشرية- “لا يَعْرف إلا ما يُمْكنه تَذَكره”، فإن هذا يعني أنه لن يكون في طَوْقه التذكر إلا إذا فَكَّر، لأن التذكر نشاط فكري يُلتمس به التأدي إلى مطلوب موجود؛ وعليه فلا سبيل له إلى أنْ يفكر إلا باستعمال لغة، لأنها تُرْجمان الفكر، وأصفاد التجسيد.
وعلى الجُمْلة، فالفَصْلُ بين ثنائية “اللغة- التفكير”، من حيث هما ضَرْبٌ من التفاعل الاجتماعي الارتجالي، في أثناء الإعراب عن المَقْصود، مَصْروفةٌ عنه الفِطَر؛ لأن كل واحد منهما مُحتاج إلى الآخر بمقدار احتياجَ ما لا قد يَتم إلا بآخر غيره.
على أنَّ استحالة عَزْل أحدهما عن الآخر، وخاصة “التفكيرُ” عن “اللغة” لا العكس، في أثناء إرسال الفِكْر في صَفْحة الكون، ليست ناشئةً من جِهَة التسليم بالفروق الفردية بين الناس في مُدركاتهم الأشياء، وتفاوت إبانتهم عنها باللسان؛ فلربما اجتمع لبعض البُلهاء لَسَنٌ يمتنع على غيرهم من العقلاء، ولقد تأنس ممن لا يُشك في حكمته ورجحان عقله تتعتع بيان من غير أن يكون هذا مَطْعنًا عليه.
أَلا ترى أن كليم الله موسى بن عمران حاز سلامة العقلاء، وكمال الأنبياء، على عُقدةٍ في لسانه، وحُبْسةٍ في بيانه، فكان أنْ دعا اللهَ بحل هذه العُقدة، وإطلاق هذه الحُبْسة، سائلًا التَّعْزيز بأخيه في أمر تبليغ الرسالة؛ لِمَا تَوَهَّم له من العجز عن إفهام قومه بمراد ربه، بالذي اتفق له من أسبابٍ صَارِفةٍ له عن آلة البيان، فاحتج للطلب بالإفصاح فقال: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا).
والذي نَتَوسَّلُه بالمثال السابق المَضْروب أنَّ الطلاقة اللُّغوية لا تَضْمن تحصيل طلاقة فكرية سواءً بسواء، فليس كل فصيحٍ مُفْهِمًا قادرًا على الإفهام، ولكنَّ كلَّ مُفْهِم مُبِينٌ وإنْ لم تَسْتوِ له أسباب الفصاحة الكاملة؛ إذ العلاقة بين ثنائية “اللغة- التفكير” ليست قائمةً على التساوي المُجْزئ، أي الذي يجري مَجْرى سَدِّ المَسَد، فاللغة لا تَسُدُّ مَسَدَّ الفكر، ولا الفكر سَادٌّ مَسَدَّ اللغة.
فلا يُشترط أن تكون الطاقة على استعمال اللغة مُكافئةً في المِثْل والنصيب والقوة لطاقة التفكير؛ لأن علاقة “اللغة- التفكير” نشأت من طريق شَرْط الحاجة المقدرة، لا من تَسَاوي الحاجة المُكمِّلة، فإذا صَحَّ –وهو صحيح- أن اللغة شرطٌ للتفكير، والمُبِينة عنه، فلن يَصِحَّ أن التفكير شرط للغة؛ لأنَّ “اللغة” بديهة تلقائية لا تُتَكَلَّف بوجه عام، أما “التفكير” فبديهة تَطْلُبها الحوادث تعليلًا لها.
واللِّسانيون والأنثروبولوجيون يضربون لهذا الأمر مثلًا فيقولون: “لو كان الهندي الأحمر الهوبي يصف الكون بطريقة تختلف عن الرجل الأبيض، فليس معنى ذلك أن لغته هي التي ترغمه على ذلك، بل معناه أن خبرة الهندي الأحمر تختلف عن خبرة الرجل الأبيض في الحياة، وهذه الخبرة لا سيطرة للغة والفكر عليها في الأغلب الأعم”.
وذهبوا إلى القول: “إن القول بأن اللغة سبب تطوري للمعرفة البشرية، أشبه بقولنا إن النقود سبب تطوري للنشاط الاقتصادي البشري!!”.

مواضيع ذات صلة
أوضاع الأسرى في سجون الكيان والفارق الحضاري الهائل
أوضاع الأسرى في سجون الكيان والفارق الحضاري الهائل

يونيو 22, 2026 7:50 م

عبد الله المجالي عشرات التقارير التي توثق كم الانتهاكات الهائل في حق الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان. انتهاكات يندى لها...
الزرقاء المظلومة
الزرقاء المظلومة

يونيو 21, 2026 8:54 م

  عبد الله المجالي كانت مشكلة الزرقاء الأساسية أنه لا أحد فيها يشعر بانتمائه إليها، إلا ما رحم ربي. لا...
غاب وجاب!
غاب وجاب!

يونيو 20, 2026 9:14 م

عبد الله المجالي لقد حقق الرئيس الأعظم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية النصر الأعظم في تاريخ البلاد الممتد منذ ما...
“الجنون بيد ترامب”
“الجنون بيد ترامب”

يونيو 20, 2026 2:45 م

  المقدمة جاء في كتاب “المُقسِّم” (The Divider)، الذي يُعدّ من التوثيقات السردية لفترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، مشهدٌ كاشف:...
مصير العالم بين يدي هؤلاء.. الله يستر
مصير العالم بين يدي هؤلاء.. الله يستر

يونيو 17, 2026 7:51 م

عبد الله المجالي كنت أود أن أكتب عن الحادثة الخطيرة التي مرت مرور الكرام، وهي حادثة سقوط القاذفة الأمريكية الاستراتيجية...
المواطن السبعيني الذي يُكوّن نفسه!
المواطن السبعيني الذي يُكوّن نفسه!

يونيو 16, 2026 10:12 م

د. ذيب عبد الله خطاب [*] نائب أسبق وطبيب أطفال كان معالي عبد الهادي المجالي يرد على النواب المعارضين للذهاب...