تفريغ غزة عبر رحلات مشبوهة بحماية إسرائيلية
تهجير صامت ودون ضجيج وبعيدا عن وسائل الإعلام والصحافة ومنظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية والأممية، تفريغ قطاع غزة من سكانه بطريقة “التجزئة”، بدلا من الترحيل القسري دفعة واحدة، و”بالجملة”، جريمة حرب لن يشعر بحدوثها أحد، ولن تجد من يستنكرها فهي تجري بصمت عالمي مريب، وتحت غطاء “مساعدة إنسانية”.
والطامة والمصيبة الكبرى أن من كشف عن هذه الجريمة ضد الإنسانية والتي ترقى إلى إبادة جماعية دون قصف وقتل وتجويع، هي صحيفة “هآرتس” العبرية التي نشرت حول الرحلات الغامضة التي أقلت فلسطينيين من قطاع غزة بواسطة طائرات مستأجرة هبطت في كينيا وجنوب أفريقيا.
الحديث يدور حول جمعية وهمية تمثل واجهة لشركة استشارات في استونيا يديرها إسرائيلي يحمل جنسية استونيا أيضا، وتعرف باسم “المجد”، كانت تعرض على الفلسطينيين دفع ما يقارب 2000 دولار مقابل الخروج من غزة برحلات جوية إلى دول بعيدة، في عملية اتسمت بالغموض والوسطاء المجهولين.
ولا تستطيع هذه الجمعية المزعومة القيام بعملها منفردة فهي تتبع آلية احتيال ممنهجة تستهدف الفلسطينيين في غزة ضمن مشروع أوسع لتهجيرهم ومنعهم من العودة إليها، وهي جزء من المخطط الرسمي الصهيوني لفرض ما تسميه دولة الاحتلال تطهيرا عرقيا “طوعيا”، بعد فشل التطهير العرقي المباشر عبر حرب الإبادة.
ولا يمكن مغادرة أي شخص قطاع غزة إلا عبر تنسيق كامل مع سلطات الاحتلال وأجهزتها الأمنية.
وهو ما أكدته صحيفة “يديعوت أحرونوت” بأن الجيش الإسرائيلي رافق الحافلات التي نقلت المغادرين من داخل غزة إلى معبر كرم أبو سالم، ومنه إلى مطار رامون في النقب.
ولذلك يصر الاحتلال على إبقاء معبر رفح مغلقا، حتى يصبح الطريق الوحيد أمام الراغبين بالسفر هو هذه الجهة. كما أن الاحتلال يشترط خروج العائلات كاملة حيث لا يصبح هناك أي مبرر للعودة، بخلاف خروج أفراد قد يبقى ارتباطهم بالعودة قائما. إضافة إلى تجنب الاحتلال ختم جوازات المسافرين مما يزيد من تعقيد عودتهم مستقبلا، وهو ما يؤكد ان الأمر ليس مجرد ترتيبات سفر، بل سياسة مدروسة مخطط لها بعناية ومنذ فترة كافية.
خروج آلاف الفلسطينيين بهذه الطريقة قد يتحول إلى نمط منتظم لتهجير السكان، في ظل ظروف إنسانية كارثية تضغط على الناس وتدفعهم إلى القبول بأي منفذ يقدم لهم، خصوصا أن من تم تهجيرهم بهذه الطريقة لم يكونوا يعرفون الجهة التي رتبت إجراءاتهم، ولا الوجهة النهائية التي كانوا سيصلون إليها.
الخطر في تحويل هذه الحالات الفردية إلى نمط مقبول دوليا، بحيث يصبح خروج الفلسطيني من أرضه خيارا “إنسانيا” مزعوما في الوقت الذي تغلق فيه أمامه كل سبل الحياة داخل غزة.
ما يجري اليوم يفرض على القوى الوطنية الفلسطينية والحقوقية متابعة دقيقة، لأن أي تراخ سيترجم عمليا إلى تغيير ديمغرافي يُفرض ببطء، وبغطاء إنساني ظاهره، لكنه في العمق مشروع سياسي خطير
هذه الجريمة المركبة تؤكد أهمية توعية الجمهور الفلسطيني بأن هذه الشبكات الاحتيالية التي تستغل حاجة وأوجاع الناس تستهدف تدمير حياتهم وسرقة مستقبلهم وأرضهم وهويتهم.
وكما سعى الاحتلال ورعاته إلى إخضاع غزة للوصاية الدولية بقرار من مجلس الأمن، يسعى الاحتلال إلى تهجير سكان غزة لتحقيق مشروع ترامب وكوشنير في القطاع؛ أي تحقيق ما عجز عنه الاحتلال في حربه الوحشية على غزة طيلة عامين بالقوة، لكن هذه المرة بالتآمر والعمل من تحت الطاولة وبعيدا عن رادار الوعي الفلسطيني والعربي.