هل كان الشعب الفلسطيني جاهلا بالمؤامرات الصهيونية؟!
التصور السائد هو أن الشعوب العربية، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، كانت تجهل تفاصيل المؤامرة الصهيونية على فلسطين في بدايات القرن الماضي.
بحسب التصور السائد فإن الجهل والأمية والأوضاع السيئة التي كانت تسود المناطق العربية، وعدم انتشار وسائل الإعلام، كانت سببا رئيسيا في نجاح المؤامرة البريطانية الصهيونية التي توجت بإعلان ما يسمى “دولة إسرائيل” عام 1948 على أجزاء واسعة من فلسطين، وتحويل الشعب الفلسطيني إلى شعب مهجّر.
ولعل النكبة التي قصمت ظهر الفلسطينيين والعرب على حد سواء، ونجاح المخطط الصهيوني في الاستيلاء على فلسطين، ومحاولات طمس تاريخ القضية الفلسطينية من المناهج الدراسية العربية، كان كفيلا بتثبيت ذلك التصور.
لكن التاريخ السابق والحاضر يفندان ذلك التصور.
فتاريخ نضال الشعب الفلسطيني بدأ مبكرا جدا، فالجميع يحفظ الأغنية التراثية الشهيرة: “من سجن عكا طلعت جنازة.. محمد جمجوم وفؤاد حجازي..”، التي تشيد بشهداء ثورة البراق الثلاثة محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير في عام 1929. وإطلالة بسيطة على كتاب القضية الفلسطينية للدكتور محسن صالح كفيلة أن تخلخل ذلك التصور، فهو يشير بالوثائق التاريخية إلى أن الشعب الفلسطيني بكل أطيافه كان واعيا للمؤامرة الصهيونية البريطانية لابتلاع أرضه.
ولعل المثال الأبرز هو الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت في عام 1936 إلى عام 1939، وهي الثورة التي انخرطت فيها كافة فئات الشعب الفلسطيني.
أما عن الشعوب العربية، فهي وإن كانت ترزح تحت الاستعمار إلا أنها كانت تدرك خيوط المؤامرة على فلسطين وخصوصا هنا في الأردن، وما مؤتمر قم الذي عقد في بلدة قم الأردنية شمال المملكة في عام 1920 برئاسة الشيخ ناجي العزام إلا إشارة واحدة من كم الإشارات التي تدل على وعي الشعب الأردني بخطر المؤامرة الصهيونية البريطانية على فلسطين، فقد أصدر المؤتمر الذي حضره رجالات من الأردن قرارات منها مناصرة ثورة الشعب الفلسطيني ودعمها بالمال والسلاح، وإعلان الثورة ضد الإنجليز في شرقي الأردن. وكان من نتائج المؤتمر العملية العسكرية التي شنها المجاهدون الأردنيون بقيادة الشهيد كايد مفلح عبيدات على المستوطنات الصهيونية وثكنات الجيش البريطاني في بلدة سمخ القريبة من بحيرة طبريا.
وفي مصر، ورغم تغلغل الاستعمار البريطاني هناك، فقد ظل الشعب المصري يتابع الأوضاع في فلسطين ويستشعر الخطر الصهيوني عليها، وقد مثلت جماعة الإخوان المسلمون التي تأسست عام 1928 رأس الحربة في جهود الشعب الفلسطيني لمناصر نضال وجهاد الشعب الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني والمؤامرة الصهيونية.
واليوم، حيث انتشار التعليم في كل أنحاء الوطن العربي، وتطور وسائل الإعلام بحيث بات الطفل الصغير يتابع ما يجري من أحداث، فإننا نواجه ذات المؤامرة التي أفشلت الثورة الفلسطينية الكبرى في ثلاثينات القرن الماضي، فالشعب الفلسطيني واع تماما للمخططات الصهيونية، وقد أبدع في الجهاد والنضال والمقاومة منذ أكثر من 100 عام، وقدم مئات الآلاف من الشهداء، لكن للأسف فإن ثوراته وهباته ومقاومته لم تتوج سياسيا، وربما لم يجد الحليف الصادق ليقف معه لقطف الثمار السياسية لثوراته وتضحياته، ما يجعلنا نعيد النظر في أسباب نجاح المخطط الصهيوني.