أهل غزة في السجون.. حكايات من جحيم لا ترويه الكاميرات
عامر أبو عرفة
لم يكن ذلك الاعتقال الأول في حياتي، فقد عرفت السجون من قبل، وعرفت زنازينها وأبوابها الحديدية وأيامها الثقيلة، لكن الاعتقال الذي جاء مع بداية الحرب كان شيئا آخر، عالما مختلفا لا يشبه ما عرفناه سابقا إلا بالاسم.
منذ اللحظة الأولى بدا كل شيء أكثر قسوة، تحطيم للأبواب، تخريب لمحتويات المنزل، صراخ وتهديد ووعيد، ثم قيود بلاستيكية شدت إلى المعصمين بقوة حتى بدا الدم محاصرا داخل اليدين.
إحدى عشرة ساعة متواصلة من الألم، حتى يصبح الموت أمنية عابرة في رأس المعتقل، وبعد إزالة القيود لم تنتهِ المعاناة، بل بقيت آثارها شهورا؛ جروح تنزف وقيح يخرج من اللحم، في ظل غياب أي رعاية طبية.
عند الوصول إلى السجن بدأت مرحلة أخرى، تعرية للجسم بالكامل وإهانات وشتائم وضرب وقنابل صوت وغاز، كنت مصدوما، فقبل أشهر قليلة فقط كنت قد خرجت من السجن نفسه بعد اعتقال إداري، المكان ذاته، لكن كل شيء فيه تغير.
في الزنازين الضيقة كانت الأصوات تسبق الوجوه، انفجارات لقنابل صوت، صرخات ألم، استغاثات تتردد بين الجدران، أسرى يتعرضون للضرب والتنكيل، وآخرون يجبرون على إصدار أصوات كلاب في مشاهد لا تهدف إلى شيء سوى الإذلال وكسر الكرامة الإنسانية.
هذه كلها كانت تستهدف أسرى من قطاع غزة فقد كان لهم نصيب آخر من العذاب، الطعام الذي كان يقدم لنا، على قلته، بدا كثيرا مقارنة بما يقدم لهم، قطعة خبز صغيرة وعلبة لبنة لا تكاد ترى بالعين، هذا كل ما يحصل عليه الإنسان ثلاث مرات يوميا، لكن الجوع لم يكن أسوأ ما في الأمر، فهناك الضرب المستمر، والعقوبات اليومية، والخوف الذي لا يغادر الزنزانة.
خلال التحقيق تعرضت للشتم والشبح والضغط النفسي لأيام طويلة، لكن عندما كنت أسمع صراخ أحد أسرى غزة تحت الضرب، كنت أشعر أن ما أتعرض له لا يقارن بما يتعرض له هو. كان الألم القادم من خلف الأبواب المغلقة كافيا لرسم صورة كاملة دون الحاجة لرؤية شيء.
أتذكر محققا دخل الغرفة مرتديا زيا عسكريا تلطخه بقع دم، وعلى يديه كسارات معدنية ما زالت تقطر دما، رفع قبضته في وجهي وقال مهددا: “هكذا نعامل أهل غزة، فلا تجعلني أعاملك مثلهم”. لم يكن بحاجة إلى شرح أكثر؛ فقد كانت آثار الدم تتحدث نيابة عنه.
هذه ليست سوى بعض التفاصيل الصغيرة من واقع طويل عاشه آلاف المعتقلين من قطاع غزة، تفاصيل قد تبدو للبعض مجرد روايات، لكنها بالنسبة لمن عاشها كانت يوما عاديا في السجن.
ولهذا، عندما تظهر اليوم تسجيلات مصورة لأسرى يدلون باعترافات أو أقوال تحت الأسر، يتسابق البعض إلى نشرها وتداولها وكأنها حقائق مطلقة، لكن من يعرف شيئا عن ذلك الجحيم يدرك أن الإنسان هناك لا يقاتل من أجل موقف سياسي أو رواية إعلامية، بل يقاتل من أجل البقاء حيا حتى اليوم التالي.
في أماكن كهذه، حيث الجوع والإهانة والخوف والتعذيب، يصبح الاعتراف أحيانا محاولة لالتقاط نفس إضافي، أو لتجنب جولة جديدة من الضرب، أو لإنقاذ ما تبقى من الجسد المنهك، ومن السهل على من يجلس خارج الزنازين أن يحكم، لكن الأصعب أن يعيش ساعة واحدة مما عاشه أولئك الأسرى.
لذلك، قبل أن نحاكم كلمات خرجت من خلف القضبان، علينا أن نتذكر الظروف التي قيلت فيها، فبين جدران السجون لا تكون الاعترافات دائما رواية للحقيقة، بل قد تكون في كثير من الأحيان صرخة إنسان يبحث عن نجاة مؤقتة من الجحيم.