درس السودان
“من يعتمد على السلاح ليحكم، يعيش خائفًا ممن يحمل السلاح معه” ميكافيلي.
عندما تقدمَ العمرُ بوالدي، كنتُ أحرصُ على مرافقتِه في بعض المؤتمرات التي كان يحضرها لأعتني به وأساعده. كان الوفد الذي يرافقه غالبًا يضمُّ شخصياتٍ عربيةً وإسلاميةً مرموقةً من خلفياتٍ ثقافيةٍ متنوعة، وبما أنني كنتُ الأصغر سنًّا بين المشاركين، كانت على عاتقي مسؤولية رعاية الجميع؛ كثيرًا ما كنتُ أرافقُهم فردًا فردًا إلى الأسواق.
أذكرُ مرةً أنني رافقت المرحوم المشير سوار الذهب إلى السوق، وكان يحمل قائمةَ تسوُّقٍ لعائلته؛ دخلنا المتاجر فلم يشترِ شيئًا، إذ كانت الأسعارُ بعيدةً عن متناوله.
يُعدُّ السودانُ من أكثر الدول العربية التي شهدت انقلاباتٍ عسكريةً وتقلُّبًا في أنماطِ الحكم بين الجيش والمدنيين، الذين لم يحكموا إلا لفتراتٍ قصيرة، مع استثناءٍ محدودٍ لفترةٍ مضيئةٍ في تاريخه حين قاد المشير سوار الذهب انقلابًا على حكم الرئيس العسكري جعفر النميري عام 1985، إثر انتفاضةٍ شعبية، وسلم البلاد إلى حكومة مدنيةٍ استمرت ثلاث سنوات. لكنّ حكمَ الجيش عاد بقوةٍ عام 1989 بدعمٍ من الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، إذ استعاد الجيش بزعامة عمر البشير السلطة، وحكم البلاد بقبضةٍ أمنيةٍ حتى عام 2019 إلى أن اندلعت ثورةٌ شعبيةٌ، دعمها الجيش لاحقاً، فأنهت حكمه.
وقد أدت كثرة الانقلابات العسكرية إلى الحيلولة دون بناء مؤسسات راسخة، وأشعل نزاعات جهوية واقتصادية، نشاهد آثارها اليوم.
اعتقد عمر البشير، في ظنّه، أنه أذكى من دروسِ التاريخ ومن عباقرة السياسة؛ متوهّمًا أنه استوعب أخطاءَ من سبقوه من الضباط الذين خسروا الحكم. ومن هذا الغرورِ ولدت فكرةٌ «عبقرية» -كما ظنّ- تقضي بإنشاء ميليشياتٍ داخل الجيش لتحصين سلطته من الانقلابات، وتقسيم ولاءات القوى المسلحة، وخلق مركز قوةٍ بديلٍ يخدم مصالح نظامه. منح تلك القوات امتيازاتٍ اقتصاديةً واسعةً، كان أبرزها السيطرةُ على مناجم الذهب في دارفور، فتوفرَّ لها تمويلٌ مستقلٌّ عبر شبكات تهريب وتصدير، وبفضل هذا التمويلِ جنّدت آلاف المقاتلين واشتُريت لها أسلحةٌ ومركباتٌ مدرعة، حتى صارت دولةً داخل الدولة.
بعد الإطاحة بالبشير تشكّلت سلطةٌ انتقاليةٌ ضمّت المجلسَ العسكري ومجلسَ الوزراء المدني، لكن العلاقة بين الطرفين اتسمت بالتوتر؛ فالقواتُ المسلحة وقواتُ الدعم السريع سيطرتا على شركاتٍ ضخمةٍ تعمل في الذهب والصناعة والزراعة والتجارة خارج سلطة وزارة المالية، وطالبت الحكومة المدنية بدمج هذه الشركات ضمن الاقتصاد الرسمي، ما بدا تهديدًا مباشرًا لمصالحهما.
ومع تصاعد الخلاف انقلب الجيش مجددًا على الحكم، مبرّرًا تدخّله بالحجة التي يرددها قادة الأنظمة الديكتاتورية: أن الشعب غير مؤهلٍ للديمقراطية ولا لحكم نفسه، وأن تدخل المؤسسة العسكرية ضروريٌّ لحماية البلاد. حجةٌ استُخدمت في الواقع لحماية المصالح.
بعد انقلاب عام 2021 تحالف رئيسُ الجيش مع قائدِ قوات الدعم السريع، لكن الذهبَ أطلّ برأسه من جديد، فتحوّل الصراع بين الجانبين إلى تنافسٍ مريرٍ على السلطة والثروة. حاول رئيسُ الجيش دمجَ قواتِ الدعمِ السريع في المؤسسة العسكرية فرفضَ القائدُ ذلك؛ خشيةَ فقدان النفوذ والسيطرة على موارد الذهب، فانفجر الخلاف إلى حربٍ شاملةٍ عام 2023 حوّلت البلاد إلى ساحةٍ قتالٍ مدمِّرةٍ وصراعٍ وجوديٍّ بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ونتيجةً لهذه الحرب، لقي أكثر من نصفِ مليون طفلٍ حتفَهم جوعًا أو قتلًا أو مرضًا، ومات كثيرون جوعى بلا غذاءٍ ولا دواء؛ كما اضطرَّ نحو 8.8 ملايين إنسانٍ إلى النزوح واللجوء، وحوصرت مدنٌ كاملةٌ، واستُخدم الجوعُ سلاحًا لإخضاع السكان، وارتُكبت مجازرُ مروِّعةٌ شاهدنا فظائعها على شاشات التلفاز.
للأسف، صار السودانُ ضحيةَ النموذجِ الجديد من الحروب: مزيجٍ قاتلٍ من الميليشيات الخاصة، والثروات الهائلة، والتمويل الخارجي في عالمٍ يسعى للهيمنة على الذهب والمعادن والخيرات. تلاقى هذا الجشعُ العالميُ مع الصراعات المحلية فتحوّلت مناطقٌ بأكملها إلى ساحاتِ قتالٍ داخل سلاسلِ الإمدادِ العالمية.
لذا فإن مأساة السودان ليست محليةً فحسب، بل هي مأساةٌ عالمية تُخاض فيها الحروبُ لا من أجل الأيديولوجيا أو الإعلام أو التوسع أو المواطن، بل من أجل ما يختبئ تحت الأرض.
الدرس المستفاد من تجربة السودان واضحٌ ومؤلم: إدخالُ الجيوش في مشاريعَ تجارية، أو ما يُسمّى «البزنس»، وإنشاءُ جيوشٍ داخل الجيش لأهدافٍ شخصيةٍ ضيقةٍ، يفسد البلاد ويزهق النفوس، ويبعد المؤسسة العسكرية عن عقيدتها الأساسية في حماية الوطن وحدوده، فتتحول من حصنٍ للدولة إلى أداةٍ للمصالح الخاصة.
فالجيشُ مكانه ثكناته أو على حدود الوطن يذود عنها، لا في ممرات السوق، ولا في مناجم الذهب.