مفترق حاسم في بيليم.. فجوة التمويل تجر العالم نحو هشاشة أوسع
يمضي الاسبوع الاول من مؤتمر الاطراف 30 كوب وسط مؤشرات واضحة على ان الفجوة بين حجم المخاطر المناخية والقدرة السياسية على مواجهتها تتسع بسرعة. ففي بيلم حاولت الرئاسة البرازيلية تخفيف حدة الخلافات منذ اللحظة التي اطلقت فيها سلسلة الرسائل المتتابعة وحتى اليوم لكنها وجدت نفسها امام ملفات اساسية يتم دفعها خارج جدول الاعمال الرسمي، وتحويلها الى مسار مشاورات جانبية يقودها الرئيس، وهي خطوة تعكس مدى صعوبة اعتراف الدول بالقضايا الجوهرية التي تشكل اساس العدالة المناخية العالمية مثل التزامات التمويل العام للدول المتقدمة، وفجوة طموح المساهمات الوطنية، والتدابير التجارية الاحادية، والتقرير الشامل للشفافية، وهذه ليست تفاصيل تقنية كما يظن بعض الخبراء بل هي ركائز تحدد قدرة النظام المناخي على المتابعة والمساءلة
في الوقت نفسه يتكشف أثر القرار المالي المتواضع في “كوب تسعة وعشرين” الذي ترك فراغا عميقا في منظومة باريس؛ فالعجز المالي يعطل رفع طموح الخطط الوطنية، ويجعل تمويل التكيف محدودًا ومجزأ، ويزيد من تعرض الدول الهشة للديون، فيما تتوسع الاثار المناخية من أعاصير في آسيا الى فيضانات في امريكا الجنوبية، الى انهيار المحاصيل ونقص المياه، وهي ظواهر حاضرة لا مستقبلية.
ورغم كل ذلك يبقى التمويل إما قروضًا تثقل الموازنات، أو منحًا لا تصل الى المجتمعات المحلية، مع أن التكيف التزام قانوني اكدته محكمة العدل الدولية، ويفترض أن تنفذه دول الملحق الثاني دون شروط سياسية، وهي نقطة تستحق الكثير من التأكيد.
وفي ظل هذا الواقع يزداد الدفع نحو التزام واضح بحجم مئة وعشرين مليار دولار سنويا للتكيف بحلول عام الفين وثلاثين، على ان يكون تمويلا غير مسبب للديون، ومباشرا للمستوى المحلي، ويكتسب نقاش الانتقال العادل زخمًا من خلال مقترح آلية بيليم التي تهدف الى تنسيق المبادرات، وتعزيز المعرفة، وتقديم دعم مباشر للدول بما يحول الانتقال العادل من مفهوم خطابي الى مسار عملي عادل وقابل للتنفيذ بشكل متعدد ومباشر
المشهد العام يكشف ان تصاعد المخاطر المناخية، وارتفاع طلب المجتمعات على عدالة تربط التمويل بالمسؤولية التاريخية والقانونية يساهمان في عرقلة الجهود، واذا لم تنتج بيليم التزامات عملية وقابلة للقياس في التكيف والانتقال العادل فسيسجل المؤتمر محطة اخرى من التشخيص دون علاج، بينما يستمر المناخ في التغير، وتستمر المجتمعات الهشة في دفع الكلفة اليومية للتأخير.
النتيجة النهائية ستتحدد بقدرة الاطراف على تحويل العدالة المناخية من شعار الى التزام فعلي يعكس مستوى الازمة التي يعيشها العالم الآن، ولا يمكن انتظار عشر سنوات اخرى لنقول إن المناخ قد تغير، فالشواهد تقول إنه تغير فعلًا، وفي الاردن نواجه واحدًا من اقسى الظروف المناخية؛ حيث الجفاف يطغى على المشهد الانساني والزراعي والبيئي.