الفيدرالية مرحلياً لمواجهة تقسم سوريا
تبدو لي من بعيد وكأن الدولة السورية الجديدة تواجه مشاكلها الكبرى ببطء شديد، ستكون نتائجه وخيمة على وحدة الأراضي السورية وعلى مكونات الدولة من أعراق وأديان ومذاهب.
إذ لا يخفى على أحد مخططات تقسيم سوريا إلى كيانات سياسية وعرقية وطائفية وأثنيه هشة، وتبدو العصابة المارقة التي تتخفى على هيئة دولة في “تل أبيب” عازمة على إحداث شرخ كبير في وحدة الجغرافية السورية؛ عبر ذريعة حماية طائفة الموحدين “الدروز”، وأيضا عبر فتح قناة سرية مع قائد ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية الكردية، وإثارة مخاوف الطائفة العلوية والمسيحيين في سوريا.
وسط كل ذلك يبدو المكون السني العربي -وهو غالبية الشعب السوري- الغائب في جميع ما يثار حول هذه الموضوع، وكأنهم غير مرئيين، أو كأنهم هم من يضطهدون باقي مكونات الشعب السوري!
ولم تكن تصريحات رئيس التيار الوطني الحر في لبنان جبران باسيل الأخيرة خارج السياق، فهو بات “يخشى على مستقبل المسيحيين في سوريا بالنظر إلى ما أصاب سواهم من مجموعات دينية أو عرقية”، حسب قوله.
مضيفا أنهم “يدفعون ثمن انتشارهم على مساحة أوطانهم، فهم لا يملكون جغرافيا خاصة بهم بل عاشوا عبر التاريخ مع جميع مكونات أوطانهم وناضلوا لمشروع الدولة الحاضنة على أساس أن الدين لله والوطن للجميع”.
ويقصد هنا بأن كل “مقومات تحمي وجودها بالجغرافيا، له جغرافيته وقوته الذاتية وحمايته، الدرزي له جبله وحمايته تتأمن بوضوح، والعلوي له ساحله وستكون له حمايته، والشيعي له مرجعيته وسنده وحمايته، أما المسيحي فقد صار انفتاحه نقطة ضعفه وانتشاره على مدى سوريا مصدر خطر على وجوده”، كما شخص باسيل الوضع في جغرافية سوريا.
هذا الوقع المر والمرير لن تصلح معه لغة العاطفة والتصريحات الرسمية بأن سوريا هي دولة لكل السوريين، وبأن جميع الطوائف والمذاهب مصانة في الدستور والقانون والجميع سواسية.
فمثل هذه التصريحات لا تطمئن أحدا، ولا يستمع إليها من يخططون إلى تقسم سوريا وتقسيم لبنان ومصر وحتى الامتداد إلى الأردن والعراق والسعودية، وهذا الأمر لم يعد خفيا او سريا بل أصبح جزءًا من سياسية حكومة المافيا التي يقودها بنيامين نتنياهو وزمرته.
أظن أن على القيادة السورية أن تبدأ فورا بالحديث مع مكونات سورية عن الفيدرالية لاحتواء بوادر التقسيم التي بدأت تظهر على أرض الواقع في ظل تراخي دمشق عن حسم هذه الملفات.
الفيدرالية ستضمن على الأقل مرحليا بقاء سورية موحدة تحت دستور وقانون وعمل ونشيد وطني وقيادة سياسية واحدة، خصوصا في ظل الضعف والتشتت العربي وعدم مبالاة العرب لكل ما يجري في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وكأن كل دول تنتظر دورها، أو كأنها تعيش وهم بأنها استثناء.
الهدوء المرحلي سيعطي الدولة السورية الفرصة لبناء مؤسسات الدولة بعيدا عن التشنج والاستعجال الذي يحدث عادة تحت ضغط فتح أكثر من ملف شائك في نفس الوقت.