من الالتزام إلى الانقلاب: عام على “اتفاق الدوحة” والاحتلال يواصل الخروقات بغزة
غزة – وكالات
تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع بين الفصائل الفلسطينية ودولة الاحتلال في 19 كانون الثاني/ يناير 2025، وهو اتفاق لم يكن نتاج نضج سياسي متبادل بقدر ما جاء نتيجة ضغط أمريكي مباشر، مارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحكومة الإسرائيلية، لإجبارها على توقيعه قبل يوم واحد من تسلمه الرسمي مهامه في البيت الأبيض.
جاء الاتفاق بعد مسار تفاوضي طويل وشائك، اتسم بالتعثر والتقدم المتبادل، وانتهى بصيغة عُرفت بـ”اتفاق الدوحة”، الذي نص على وقف لإطلاق النار يمتد على ثلاث مراحل، مدة كل منها 42 يوما، على أن تفضي تدريجيا إلى إنهاء الحرب والبدء بإعادة إعمار قطاع غزة.
هندسة الاتفاق وحدوده
وفق ديباجة الاتفاق، شملت المرحلة الأولى وقفا مؤقتا للعمليات العسكرية، وانسحاب قوات الاحتلال شرقا بعيدا عن المناطق المأهولة بالسكان، مع إعادة انتشار بعمق يصل إلى 700 متر على طول الحدود الشرقية للقطاع.
كما تضمن الاتفاق تعليق النشاط الجوي الإسرائيلي لأغراض عسكرية واستطلاعية بمعدل عشر ساعات يوميا، بما يتيح للفصائل الفلسطينية تنفيذ التزاماتها المتعلقة بملف الأسرى.
في هذا الإطار، التزمت حركة حماس بالإفراج عن 33 أسيرا إسرائيليا ضمن المرحلة الأولى، من بينهم 25 أحياء و8 جثامين، في مقابل تلتزم إسرائيل بالإفراج عن نحو ألفي أسير فلسطيني، بينهم 250 محكوما بالسجن المؤبد، وأكثر من ألف معتقل جرى احتجازهم بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
عند توقيع الاتفاق، كان عدد الشهداء الفلسطينيين قد بلغ نحو 45 ألفا، إضافة إلى أكثر من 108 آلاف جريح. غير أن هذا الرقم لم يكن نهاية العد، إذ سرعان ما تضاعفت الخسائر البشرية مع استئناف العدوان لاحقا، ليصل عدد الشهداء إلى نحو 71 ألفا، والجرحى إلى أكثر من 220 ألفا، فضلا عن 11 ألف مفقود.
من الالتزام إلى الانقلاب
مع انتهاء المرحلة الأولى في الثاني من آذار/ مارس 2025، وبرغم التزام حركة حماس ببنودها، اختارت حكومة الاحتلال التراجع عن استحقاقات المرحلة الثانية، التي كانت تنص بشكل واضح على إعلان بوقف الحرب، والانسحاب الكامل من قطاع غزة إلى خطوط ما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، مقابل الإفراج عن بقية الأسرى الإسرائيليين الأحياء، والانتقال لاحقا إلى مرحلة إعادة الإعمار.
بدلا من ذلك، أغلقت “إسرائيل” جميع المعابر مع القطاع، وعادت إلى مناخ الحرب، قبل أن تشن في 18 آذار/ مارس ضربة عسكرية مباغتة أطلقت عليها اسم “القوة والسيف”، وأسفرت عن استشهاد نحو 600 فلسطيني خلال ساعات، من بينهم أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس، ورئيس لجنة متابعة العمل الحكومي عصام الدعاليس، وعدد من قادة الأجهزة الأمنية، في ضربة استهدفت البنية السياسية والإدارية والحكومية في غزة.
إعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي
لم يكن استئناف الحرب معزولا عن السياق الداخلي الإسرائيلي/ فقد سبقته عملية إعادة ترتيب في هرم السلطة، أقال خلالها بنيامين نتنياهو خصومه داخل الحكومة، وفي مقدمتهم وزير الحرب يوآف غالانت، وعين يسرائيل كاتس بديلا له، كما أقال رئيس هيئة الأركان هرتسي هاليفي، وعيّن آيال زامير، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تمهيد لمرحلة عسكرية أكثر تشددا، بأدوات سياسية وأمنية منسجمة مع رؤية نتنياهو.
“عربات غدعون”: الحرب كخيار سياسي
في أيار/ مايو 2025، أطلق الاحتلال عملية عسكرية واسعة حملت اسم “عربات غدعون 1″، شملت إعادة احتلال الأجزاء الشرقية من مدينة غزة، وبلدات شمال القطاع، ومحافظة خان يونس. ثم تلتها عملية “عربات غدعون 2” في آب/ أغسطس، وتركزت على احتلال مدينة غزة نفسها، في مؤشر على الانتقال من الضربات المحدودة إلى محاولة فرض وقائع ميدانية طويلة الأمد.
في هذه المرحلة، برز سلاح التجويع كأداة مركزية في إدارة الحرب، إذ توفي أكثر من 400 فلسطيني جوعا، بينما تحولت نقاط توزيع المساعدات الأمريكية إلى ما وصفته منظمات حقوقية بـ”مصائد موت”، بعد استشهاد أكثر من ألف مدني أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء، ولكنهم عادوا لأهاليهم بأكفان وهم جوعى بعد أن باغتتهم قناصة الاحتلال.
إجمالا، يمكن القول إن المرحلة التي تلت اتفاق كانون الثاني/ يناير 2025 لم تنظر إليها إسرائيليا بوصفها مسارا نحو إنهاء الحرب، بقدر ما جرى التعامل معها كهدنة تكتيكية مؤقتة، استُخدمت لإعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري داخليا، قبل استئناف العمليات بشروط أكثر تشددا. ويعكس هذا السلوك نمطا راسخا في السياسة الإسرائيلية، يقوم على توظيف المسارات التفاوضية كأدوات لإدارة الصراع وضبط إيقاعه، لا كقنوات جادة لمعالجته أو إنهائه.