مشعل يشارك في النقاش الداخلي الأمريكي
لم يكن اللقاء الصحفي الذي نشره موقع دروب سايت (Drop Site News) الأمريكي مع خالد مشعل، رئيس حركة حماس في الخارج وعضو المجلس القيادي في الحركة، بمعزل عن الجدل العام الساخن في الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية حول جدوى مواصلة الدعم غير المشروط للكيان الإسرائيلي، وجدوى مواصلة خوض حروبها التي لا تنتهي في المنطقة.
حقيقة برزت في مجمل الحوار الذي أدارَه الصحفي الاستقصائي الأمريكي جيريمي سكاهيل، أحد مؤسسي موقع دروب سايت الأمريكي المستقل، الذي يُعد قريبًا من التيار الليبرالي واليساري التقدمي في أميركا، وهو تيار قاد الحراك المناهض للحرب على قطاع غزة ودعا لتجريم قادة الاحتلال وملاحقتهم، إلا أن الجدل والنقاش الداخلي تجاوز التيار الليبرالي واليساري التقدمي نحو التيار اليميني الذي أسهم في عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في حقبة رئاسية ثانية.
جدل ونقاش يُتوقع أن يحدد موازين القوى الداخلية في أميركا وأولويات السياسة الأمريكية للسنوات العشر المقبلة لدى الأجنحة الرئيسية المتنافسة في الولايات المتحدة الأمريكية من اليمين واليسار، فالانقسام حول مكانة الكيان الإسرائيلي لم يعد محصورًا في الحزب الديمقراطي وداعميه، إذ انتقل إلى الحزب الجمهوري والقاعدة اليمينية البيضاء في الولايات المتحدة، وعلى نحو متسارع بعد معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وبعد المواجهة مع إيران حزيران 2025، ليتعاظم الجدل بعد اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك في أيلول/سبتمبر من العام الحالي 2025، ما يجعل من الغياب عن هذا الجدل والنقاش عربيًا وفلسطينيًا خطأً وفشلًا كبيرين. فالمشاركة في هذا النقاش والحوار الداخلي الأمريكي من قبل الفلسطينيين ونخبهم وقياداتهم السياسية مصلحة فلسطينية لملء فجوة يسعى نتنياهو ومن معه لملئها، ما يجعل من التأخر عن التأثير في مدخلاتها فلسطينيًا للتأثير في مخرجاتها فرصة ضائعة وخطأً مكلفًا يحرم الفلسطينيين ومقاومتهم من تحقيق الحد الأدنى من التأثير في رسم ملامح المشهد السياسي بحثًا عن العدالة وتثبيتًا للحقوق الفلسطينية.
لقاء خالد مشعل مع سكاهيل، بهذا المعنى، حمل الكثير من الرسائل للقاعدة الانتخابية في الولايات المتحدة، ولجيل كامل من الناخبين وخصوصًا الشباب، كما حمل رسائل سياسية أكثر تعقيدًا إلى النخبة السياسية النافذة في الولايات المتحدة، وعلى رأسها دونالد ترامب وتياره في اليمين الأمريكي إلى جانب التيار الليبرالي، فتارة يذكر بالمناضل الكبير نيلسون مانديلا، وأخرى يؤكد فيها على مرونة الحركة وقدرتها على التحرك في الفضاء الفلسطيني السياسي وفق الثوابت الفلسطينية والمصلحة الوطنية المباشرة بما يحقق الاستقرار طويل الأمد الذي يبحث عنه الرئيس الأمريكي وتيار ماغا MAGA الأمريكي.
لغة تقلق الجانب الإسرائيلي الذي اختبر الرئيس الأمريكي في التعامل مع اليمن وسوريا والملف السوداني مؤخرًا، والأخطر أن هذا الخطاب السياسي يحظى بقبول أكبر لدى أجنحة داخل الإدارة الأمريكية تسعى إلى تركيز جهودها في الكاريبي تجاه فنزويلا ودول أمريكا الجنوبية، لا في الملف الإيراني والفلسطيني الذي بات مصدرًا لتشتت قدراتها وتبديد رصيدها الاستراتيجي لصالح خصومها.
النقاش في الولايات المتحدة حول مستقبل العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، والجهة التي تحدد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، فهل تكون مصالح الكيان الإسرائيلي أم المصالح الأمريكية؟ نقاش لم يعد يُدار في الغرف المغلقة بل بات نقاشًا علنيًا وساخنًا وحادًا، طال كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في أمريكا، بما فيهم نائب الرئيس جي دي فانس الذي يرى بأن “إسرائيل” ليست الأولوية للإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية، وأن مصالحها لا تتقدم على مصالح الولايات المتحدة، علمًا أن فانس المرشح الأوفر حظًا لخلافة الرئيس الأمريكي كمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2028، والمتوقع التصويت عليها في نوفمبر من العام 2027.
لقاء مشعل مع سكاهيل من موقع “دروب سايت” لا يُتوقع أن يكون الأول أو الأخير، إذ يُتوقع أن تشهد الساحة الإعلامية، خصوصًا الأمريكية، لقاءات جديدة أشد سخونة وعمقًا، عبر مواقع أقرب لليمين الأمريكي، ومن الممكن أن نشهد لقاءات برودكاست مستقبلًا تضم تاكر كارلسون وغيرهم من اليمين الأمريكي المتعطش لحسم الأولويات السياسية لليمين الأمريكي قبيل الانتخابات التكميلية للكونغرس، والرئاسية التمهيدية لمرشحي الرئاسة الأمريكية. ومن الواضح أن حماس ستكون حاضرة كما الكيان الإسرائيلي في النقاشات الداخلية الأمريكية. جهد يجب أن يُبذل لمواجهة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وقادة الاستيطان من أمثال يسرائيل غانتس ونائبة عومر رحاميم وغيرهم، اللذان بالكاد يغيبان عن المشهد الداخلي الأمريكي، ما يجعل من الحضور الفلسطيني الإعلامي حقًا للفلسطينيين ومقاومتهم التي قدمت التضحيات في واحدة من أبرز المعارك التي خاضها الشعب الفلسطيني في تاريخه.
ختامًا، الساحة الأمريكية مفتوحة على مزيد من النقاشات والحوارات التي لن تنقطع على مدى العامين المقبلين من عمر إدارة ترامب المتبقي، والخطاب الفلسطيني المقاوم ومن ورائه العربي والإسلامي مطالب بأن يتفاعل بمسؤولية مع هذه التحولات ليصبح مسموعًا ومؤثرًا في رسم ملامح الأولويات الأمريكية والأوروبية للسنوات العشر المقبلة، لتعميق أزمة الاحتلال وعزلته عالميًا وأوروبيًا وأمريكيًا، والتأكيد على الحقوق الفلسطينية وسرديتها التي ظهرت بعض فصولها في خطاب قادة حماس، وعلى رأسهم خالد مشعل وخليل الحية وغازي الحمد، في الأسابيع القليلة الفائتة.