الصلح مع النفس
أثناء المرحلة المتوسطة، قال لنا أحد المعلمين عبارةً ظل صداها عالقًا في ذهني حتى اليوم:
«من الصعب أن تحترم نفسك، ومن السهل أن يحترمك الناس».
آنذاك ظننت أن الأستاذ أخطأ التعبير، فكيف يكون احترام الإنسان لنفسه أمرًا صعبًا، بينما احترام الناس له سهل المنال؟
رفعت يدي مستفهمًا، فابتسم وقال رحمه الله:
«يا بُني، متى احترمتَ نفسك احترمك الناس، فاحترام الذات هو الأصل، وما عداه ثمرة له».
حينها أدركت فيما بعد أن أصعب أنواع الصلح هو الصلح مع النفس، لأن النفس ليست على وتيرة واحدة؛ منها النفس الأمّارة بالسوء، وهي أشدها عنادًا وأصعبها مراسًا، ومنها النفس اللوّامة التي تراجع وتندم، ومنها المطمئنة التي بلغت السكينة بصدق التوبة وصفاء السريرة.
والإنسان في حياته يعيش صراعًا دائمًا بين نداء الشهوة الذي يدعوه إلى الانحدار، ونداء العقل والروح اللذين يدعوانه إلى الارتقاء، وبين هذين النداءين تُختبر حقيقةُ المصالحة مع الذات.
ومن دلائل الصلح مع النفس أن يتوب الإنسان عن الخطأ، وأن يتجرّد من ازدواجية الوجوه، فلا يكون له وجهٌ أمام الناس وآخر في الخلوة.
ومن مظاهر هذا الصلح أيضًا أن يكبح المرء جماح الطمع، ويترفّع عن الغش والخداع، ويُقدِّم نداء الحق على نداء الهوى، وأن يوازن بين مطالب الجسد واحتياجات الروح.
وأولى محطات الصلح مع النفس أن يتطهّر الإنسان من المظاهر الخادعة، فلا يلمّع الخارج ويُهمل الداخل، لأن من يطلي الصدأ بالذهب لا يخدع إلا نفسه.
فالمظهر الزائف يمنح لحظة إعجاب عابرة، لكنه لا يورث احترامًا دائمًا.
إن التناسق بين الظاهر والباطن هو ما يمنح الإنسان راحة البال وسلامة القلب، فمن صَدَق مع نفسه عاش مطمئنًّا، ومن صالح ذاته سكنت جوارحه، وكان في سلامٍ مع خالقه ومع الناس أجمعين.