من العطار وأبو شمالة إلى شبانة.. كيف استعصى لواء رفح على جيش الاحتلال 30 سنة؟
غزة – وكالات
رغم لجوء دولة الاحتلال إلى خيار الحسم العسكري في مواجهة ما تبقى من المقاومين داخل مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في محاولة لكسر إرادة المقاومة وتصدير صورة نصر عسكري، إلا أن النتائج جاءت معاكسة تماماً، بعدما قدّم المقاتلون مشهداً مغايراً لما سعت إليه “إسرائيل”.
وعلى الرغم من نجاح جيش الاحتلال نسبياً في اعتقال وإعدام عدد من المقاومين، فإن الانطباع الذي ترسّخ داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية يؤكد أن المقاتل الفلسطيني لا يستسلم، ويختار إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وهي عقيدة قتالية تواصلت عبر أجيال المقاومة.
في هذا التقرير، تستعرض “قدس برس” تاريخ “لواء رفح”، وكيف شكّل على مدار ثلاثة عقود واحدة من أعقد المعضلات الأمنية لدولة الاحتلال.
بنية اللواء
يُعد لواء رفح واحداً من خمسة ألوية يتشكل منها الجهاز العسكري لـ”كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة “حماس”. ويتكون من أربع كتائب تعمل وفق توزيع جغرافي محكم يمتد من الحدود الشرقية حتى الساحل الغربي: الكتيبة الشرقية، كتيبة يبنا، كتيبة الشابورة، والكتيبة الغربية.
ورغم اغتيال عدد من قادته المؤسسين، حافظ اللواء على تماسكه وبنيته التنظيمية، وبقي قادراً على التجدد والابتكار، ما جعله من أكثر الوحدات العسكرية تعقيداً في المواجهات التي شهدها القطاع.
النشأة والتأسيس
تعود بدايات اللواء إلى عام 1993، حين شرع رائد العطار ومحمد أبو شمالة بتشكيل أولى الخلايا المقاومة بتكليف مباشر من القائد العام آنذاك محمد الضيف في ظل ظروف أمنية وسياسية معقدة تزامنت مع اتفاق أوسلو وملاحقة المقاومين من أجهزة السلطة.
بعد عام واحد، أشرفا على سلسلة عمليات نوعية، أبرزها هجوم على مستوطنة “موراج”، وكمين محكم لجيب عسكري إسرائيلي باستخدام سلم، أسفر عن مقتل ضابط بعد إصابته بـ28 طلقة، في واحدة من أكثر العمليات جرأة آنذاك.
ورغم الاعتقالات المتكررة من أجهزة السلطة، كان القادة يعودون إلى الميدان سراً عقب كل اعتقال، حتى جاءت عملية “غوش قطيف” عام 1998 لتشكّل محطة مفصلية، حين نفذ الاستشهادي صهيب تمراز عملية نوعية أسفرت عن مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين.
من شاليط إلى غولدن
مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، أعادت “كتائب القسام” ترتيب صفوفها، وتشكّل المجلس العسكري الأول بقيادة أبو شمالة وعضوية العطار ومحمد السنوار. توسعت العمليات وتراكمت الخبرات، وتحولت رفح إلى ساحة اختبار لأدوات المقاومة من قذائف الهاون إلى العبوات الناسفة.
وفي حزيران/يونيو 2006، نفذت عملية “الوهم المتبدد” التي انتهت بأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط من داخل دبابة في موقع كرم أبو سالم، بعد تخطيط محكم قاده العطار وأبو شمالة.
وخلال عدوان 2014، تمكن مقاتلو اللواء من أسر الضابط هدار غولدن، الذي بقي في قبضة المقاومة أحد عشر عاماً، قبل الإفراج عنه الشهر الماضي في صفقة تبادل. وفي تلك الحرب، اغتالت “إسرائيل” العطار وأبو شمالة، مطوية فصلاً طويلاً من العمل العسكري امتد لأكثر من عقدين.
بعد استشهادهما، تولى محمد شبانة قيادة اللواء، وعمل على إعادة بنائه وتطوير قدراته القتالية، ليغدو واحداً من أكثر ألوية المقاومة فاعلية في الميدان.
رفح خلال “طوفان الأقصى”
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، سيطر مقاتلو لواء رفح على عدد من المواقع العسكرية في غلاف غزة، أبرزها “صوفا” وكرم أبو سالم. ومع بدء العدوان الإسرائيلي، تحولت رفح إلى أكبر مركز إيواء في العالم، إذ احتضنت أكثر من مليون ونصف المليون نازح.
وفي 27 نيسان/أبريل 2024، اجتاح جيش الاحتلال المدينة مستخدماً سياسة الأحزمة النارية والقصف السجادي، قبل أن يعلن سيطرته الكاملة في 6 أيار/مايو، ويبقي قواته متمركزة داخلها حتى اليوم. وقدمت رفح نموذجاً فريداً من الصمود، وصولاً إلى استشهاد القائد العام لحركة حماس يحيى السنوار خلال اشتباك مباشر مع قوات الاحتلال.
المقاتلون العالقون
مع تجدد العدوان الإسرائيلي في آذار/مارس 2025، فرض الاحتلال سيطرة نارية على الأطراف الشمالية لرفح وعزلها عن خان يونس. وبقي مقاتلو اللواء متحصنين داخل شبكة الأنفاق والعقد الدفاعية، دون توفر معلومات دقيقة عن مصيرهم.
وبحسب مصدر في “كتائب القسام” تحدث لـ”قدس برس”، فإن المقاتلين يتركزون في حيي الشابورة ويبنا، حيث يتحصنون داخل الأنفاق في ظل انقطاع كامل لوسائل التواصل.