هل تشعر الأنظمة في منطقتنا بالأمان؟
عبد الله المجالي
بكل وضوح كشفت سيدة الاستخبارات الأمريكية أن واشنطن لم تعد تكترث بتغيير الأنظمة أو بناء الدول وفرض الثقافة الديمقراطية الأمريكية وحقوق الإنسان!!
السيدة تولسي غابارد قالت على هامش القمة الأمنية في البحرين التي يعقدها المعهد الدولي للدراسات الأمنية إن استراتيجية تغيير الأنظمة أو بناء الدول قد انتهت في عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث غيّر الأهداف التي رسمتها واشنطن في السابق. وقد استبدل بها التركيز على الرخاء الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
هل يعني هذا أن الأنظمة في منطقتنا باتت بعيدة عن ضغوط الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
هكذا يمكن فهم تصريحات غابارد التي لخصت فيها إستراتيجية السيد ترامب الخارجية.
لكن المسألة لا تعدو مجرد نقل البندقية إلى الكتف الآخر كما يقال؛ فبدل أن كان مطلوبا في السابق التناغم مع الثقافة والقيم الأمريكية في الديمقراطية وحقوق الإنسان، بات مطلوبا الآن التناغم في الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية ووضع موارد الدول في خدمتها، أما تلك الدول التي لا تملك موارد مغرية فقد لا يكون لها مكان في استراتيجية السيد ترامب؛ إنها الدول التي وصفها بـ”الفقيرة”، وهي دول لا تعجبه ولا تعنيه ولا تروق له!!
قد تكون الأنظمة في منطقتنا استراحت من الضغوط الأمريكية في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تقع اليوم تحت ضغوط التقلب والمزاجية الترامبية، وتحت ضغوط نهمه المالي والاقتصادي، وتحت ضغوط عنجهيته ونرجسيته.
ومع ذلك، فإن كلام السيدة غابارد لا يبدو مفهومًا لدى كثير من شعوب ونخب وقوى المنطقة؛ فعن أي ديمقراطية وحقوق إنسان كانت واشنطن تفرضها على الأنظمة تتحدث؟ لا يوجد نموذج واحد يثبت هذا الكلام، بل هناك كثير من الأمثلة تثبت العكس. لقد كانت مجرد أدوات ضغط على الأنظمة للتماشي مع السياسة والاستراتيجية الأمريكية ليس إلا.
إنها واشنطن التي تفرض على الجميع أن يسير في ركابها وتحقيق مصالحها، سواء كان ذلك باعتناق ثقافتها أم اقتصادها، وقبل ذلك كله التطبيع مع الكيان. لا فرق في هذا بين استراتيجية السيد ترامب أو استرتيجية من سبقوه.
بقي أن نقول إن الأمان الحقيقي بالنسبة للأنظمة هو التناغم والانسجام مع شعوبها وتطلعاتهم، وليس بالتناغم مع واشنطن وحليفها الوحيد في المنطقة: الكيان.