ذوقيات المسجد
المسجدُ بيتُ الله، ومهوى القلوب الخاشعة، ومثابةُ الأرواح الراكعة الساجدة، فيه يقف العبدُ بين يدي مولاه مناجياً، راجياً رحمته، خائفاً من عذابه، يركع ويسجد، ويذوقُ حلاوة القُرب والطاعة.
فهو ميدان الطمأنينة، ومحراب التوبة، وموئل الإنابة، ومهبط السكينة، ومسرح المناجاة، ومورد الهداية.
مكانٌ تحفُّه ملائكةُ الرحمن، وتتنزلُ فيه السكينة، وتغشاه الرحمة.
ولأجلِ هذه المكانة الرفيعة، كان أولَ ما قام به رسولُ الله ﷺ بعد وصوله المدينة بناءَ المسجد، ليكون منارةَ علمٍ، ومجلسَ شورى، ومركزَ قيادة، ومنطلقَ الجيوش، ومأرزَ المؤمنين.
ففيه كان ﷺ يتلو على أصحابه كتابَ الله، ويزكيهم، ويعلّمهم الكتابَ والحكمة.
فالمسجد رسالةٌ عظيمة ومؤسسةٌ جامعة لشؤون الدين والدنيا.
غير أنَّ المؤلمَ في زماننا أن ترى بعضَ المصلين يدخلون المسجدَ بلا وقارٍ ولا أدبٍ يليقان بجلال المكان؛ فمنهم من يأتي بثيابِ النوم أو لباسٍ غير لائق، مخالفاً قولَ الله تعالى: ﴿خُذوا زِينَتَكُم عندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ .
ومنهم من تفوحُ منه روائحُ كريهةٌ من فمه أو جسده أو جواربه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته».
ومنهم من يتخطّى رقابَ الناس ليبلغ الصفَّ الأول، وقد نهى النبي ﷺ عن أذيّة المصلين في ذلك.
وآخرون يشغلون المصلين بحديثٍ دنيوي أو مكالمةٍ هاتفية أو نغمةِ جوالٍ مرتفعة، أو يرفعون أصواتَهم بتلاوةٍ أو ذكرٍ فيؤذون من حولهم، مع أن النبي ﷺ قال: «كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذِ بعضُكم بعضاً».
وهناك من يتنازعون داخل المسجد على تشغيل المكيّفات أو إضاءة المصابيح أو وضع الكراسي وكأن المسجد ملكٌ خاصٌّ لهم.
وآخرون ما إن تنتهي الصلاة حتى يخرجوا مسرعين متخطّين رقاب المصلين والمسبوقين، أو يتحلقون بعد الصلاة حلقاتٍ للضحك والجدال ورفع الأصوات، فيشوّشون على من أراد الذكر أو الدعاء.
من المؤسف أيضاً أن ترى من يضع كرسيَّه في الصفِّ الأول ليحتجز مكاناً له، أو من يترك نعله على باب المسجد رغم وجود الرفوف المخصصة لذلك، فيشوّه منظرَ بيتِ الله ويعكّر صفاءه.
حقٌّ علينا أن نُعظّم بيوتَ الله كما أمرنا الله، وأن نتحلّى بآدابها وذوقها الرفيع، فالمسجد ليس مكاناً عاديّاً، بل هو موطنُ الصفاء وميدانُ السجود، فهنيئاً لمن عظّم شعائرَ الله في قلبه وفعله، ووقف بين يدي ربّه في بيتٍ طهورٍ بخشوعٍ وسكينةٍ وحياء.