صابرون حتى الموت
محزن أن نعود للوراء أكثر فأكثر، ففيما مضى كنا لا تتحرك إلا حين تشتعل النار في أصابعنا، ولا ننتفض إلا عندما يطرق الألم أبواب أجسادنا، أما الآن ورغم ان الأصابع احترقت والقذيفة اخترقت طبلة الأذن، والفساد انتشر وعم وطم تراجعت انفعالاتنا الى مجرد بوست شديد اللهجة على الفيسبوك، او غضب مكبوت نسكته بقلة الحيلة.
وبما اننا نجيد فن التدجين فقد أصبحنا لا نحلم الا بقليل من السكينة والنسيان، نتألم لحظة، نشارك منشورا، ثم نكمل مشاهدة برنامج الطهو أو مباراة كرة القدم
حتى الألم صار عندنا موسمياً، والضمير لا يعمل إلا في ساعات الذروة الإعلامية، ولو كان الفساد رجلاً لكان اليوم أحد المفاوضين على هدنة؛ لأن الأنظمة الفاسدة لا تكتفي بسرقة شعوبها، بل تسرق صوتها أيضًا، لتسكت عن الدم حين يراق، تدين القاتل في البيانات وتدعمه من تحت الحزام.
هل تتذكرون معي عندما كنا نعتبر السرقة جريمة وكلمة “إسرائيل عار”، و”التطبيع خيانة”، اليوم صرنا نسمي السرقة شطارة، والكذب فناً في الإدارة! اما الواسطة فهي حق مشروع، اما السكوت فقد ارتقى الى مستوى الحكمة! نعيش بين شعارات: اصْبر وصابر، وعبارة: ما في أمل، بينما هاشتاغ: الله المستعان يملأ فضاءنا الافتراضي.
في غزة اليوم، يسيل الدم كل يوم، ونحن نتعامل معه كأنه نشرة جوية! عدد الشهداء صار رقماً في أسفل الشاشة، يتغير مثل أسعار العملات.
كنا نقول إن الاخلاق لا تتجزأ، لكنها صارت ممارسة حسب الاتجاه السياسي، يدينون القصف ببيانات!
نعيش في محيط من الفساد واللامبالاة، نتنفس الغش كما نتنفس الهواء، وننام على وسادة من التبريرات.
منذ متى اختزلت الأخلاق في شهوة أو فضيحة، والفساد في رقم داخل ميزانية!
لقد تحول الفساد بقدرة قادر الى الفساد منظومة حياة: من المدرسة إلى المستشفى، ومن المسجد إلى البرلمان.
الفساد لم يعد مجرد سرقة مال عام، بل صار أسلوب معاش، وثقافة مجتمع، وأحيانا دينًا جديدًا له فقهاؤه وقساوسته ومريدوه واتباعه وأعوانه، وسماسرة جدد، ومنابر جاهز لا تنطق إلا عن الهوى.
تحولنا إلى مجتمع يتسامح مع الفساد طالما لا يقطع الكهرباء عن بيوتنا، ونغضّ الطرف عن الكذب طالما لا يمس جيوبنا، ونبرر الظلم إذا كان يطعمنا الخبز.
نحن لا نتحرك إلا عندما يخترقنا الالم، ثم نتجادل حول لون السوط ونوع الجلد.
وحين نحصل على استراحة قصيرة من الألم، نعود إلى سباتنا الوطني المريح، ونقول بثقة:
“الحمد لله.. الأمور تحت السيطرة صابرون حتى الموت!”