الكوادر الطبية في غزة أبطال في الصفوف الخلفية من الجبهة
العدالة تقتضي منحهم جائزة نوبل للسلام فهم اختاروا البقاء في الخطوط الخلفية وعلى خط النار، وتحت القصف والحزم النارية والحرارية، والتهديد والوعيد، وتجاهل العالم لصرخاتهم ونداءاتهم.
مر عامان وهم صامدون يكابدون التعب والقلق والجوع وانتظار المجهول على مرمى بندقية قناص جبان، أو صاروخ تطلقه طائرة “الدرونز” في غفلة من الوقت والزمن، وربما قذيفة تطلقها دبابة ميركافا التي تطاردها صواريخ المقاومة الموجهة في حقول صيد البط.
صامدون رغم معرفتهم تماما بأنهم سيواجهون خيارات كلها صعبة وقاسية ومؤلمة، الشهادة أو الاعتقال والتعذيب أو التجويع، وفي الوقت ذاته يتألمون وتجرح أرواحهم من الوريد إلى الوريد، مع كل جريح يستشهد بسبب عدم توفر العلاج، أو طفل تبتر أطرافه، أو عويل وندب وبكاء الأمهات والآباء على أطفالهم الغارقين بدمائهم أو بحروقهم.
يعيشون بكامل قوتهم وجبروتهم وصمودهم في غرف العمليات والطوارئ وإثناء أداء الواجب لكنهم حين يغادرون المشهد قليلا، يعيشون ضعفهم الكامل، يبكون بحرقة، وتتمزق قلوبهم وتنزف حزنا وقهرا على ما يشاهدونه من فظائع في أروقة وغرف المستشفيات.
الاحتلال يستهدف الكوادر الطبية والصحية بشكل خاص، ويدمر المستشفيات والمراكز الصحية والطبية حتى يجبر السكان على النزوح والرحيل إذ بدون إغاثة طبية لن تكتب النجاة لأي جريح مهما كانت جراحة بسيطة وسطحية.
الداعمون للاحتلال ولجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها في قطاع غزة يعرفون تماما بأنه يكذب حين يزعم بان المستشفيات هي مقار للمقاومة، ويعرفون أن الهجوم على المشافي وتدميرها والاعتداء على الكوادر الطبية جريمة بشعة طبقا للقانون الدولي الإنساني، فهم من وضعوا هذا القانون من أجل تطبيقه على شعوبهم، وأصحاب العيون الزرقاء، وليس علينا.
كل ما يجري من جرائم في حق الأطباء والكوادر الصحية يشاهده العالم تكرارا ومررا وأمام الكاميرات، والعالم يشاهد ولا يحرك ساكنا ليس لأنه اعتاد المشهد، بل لأن هذا العالم يدار من قبل الصهيونية العالمية.
الاحتلال أخرج غالبية المستشفيات والعيادات والمرافق الصحية والطبية من الخدمة بعد قصف مبانيها، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقال وتحقيق، يحتجز بداخلها عشرات من الكوادر الطبية والمرضى والنازحين، وهذا جريمة حرب مكتملة الأركان.
ويواجه أكثر من 350 من الكوادر الطبية في غزة المصير المجهول بعد أن قام الاحتلال باختطافهم أثناء أداء واجبهم الإنساني، عقابا لهم على صمودهم في أماكن عملهم، ورفضهم التخلي عن واجبهم المهني والوطني والإنساني.
القطاع الطبي قدم حتى اليوم أكثر من ألف شهيدا وشهيدة منذ بدء العدوان على قطاع غزة، بينهم أطباء وأخصائيون وممرضون وموظفو مهن طبية مساندة وإداريون ومسعفون.
الكوادر الطبية يعملون بلا أدوات، والمساعدات التي تدخل قطاع غزة شحيحة ولا تغني ولا تسمن من جوع، واضطر الأطباء أحيانا لإجراء عمليات جراحية دون تخدير لعدم توفره، وبعض المصابين مات من الصدمة وبعضهم مات وهو ينزف، ومن كتبت له النجاة لا يزال يعاني من أثار الإصابة والصدمة العصبية.
كما أن تعمد استهداف الكوادر الطبية يضع سكان قطاع غزة في دائرة الموت بالاستهداف المباشر أو القتل في ظل نقص الوقود والأطقم الطبية والإمداد، مما قد يدفعهم إلى المغادرة القسرية بحثا عن العلاج والمأوى.
الاحتلال حول المستشفيات إلى مقابر وإلى مراكز للمعاناة والموت والتحقيق والتعذيب بفعل الصمت العالمي ودفاع الولايات المتحدة الأمريكية عن جرائم الاحتلال.
كانت نية الاحتلال إنهاك القطاع الصحي في غزة وتدميره واضحة منذ بداية الحرب، ولا تزال، فالهدف تدمير أية مقومات للحياة، وخصوصا في شمال قطاع غزة ودفع الجميع إلى النزوح وتفريغ القطاع.
جريمة ترتكب أمام أنظار العالم الذي يتموضع على بعد أمتار من الإبادة.