من الذي جلب كل هذا الاعتراف؟
يحتفل أنصار السلطة الفلسطينية وحركة فتح، ممن يدعمون خط التسوية ويعتبرونها الطريق الوحيد للوصول إلى الحقوق الفلسطينية، بتزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين خصوصا من قبل دول كبرى كفرنسا وبريطانيا إضافة إلى دول غربية مهمة مثل كندا وأستراليا والبرتغال.
ويرى أولئك في ذلك الإنجاز نصرا دبلوماسيا مدويا، بل إن بعضهم يجيره لصالحه، ويعتبر ذلك دليلا على صحة مساره، فهل هذا الكلام صحيح؟!
الجواب على هذا السؤال يدعونا لتخيل المنطقة بدون عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة في السابع من تشرين الأول عام 2023.
لقد كانت المنطقة حينها مقبلة على نسخة جديدة من اتفاقيات “أبراهام” التطبيعية، وهي الاتفاقيات التي دشنتها دولة الإمارات عام 2020 ولحقتها البحرين ثم المغرب. وهي الاتفاقيات التي استنكرتها السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس بشدة، واعتبرتها قفزا على القضية الفلسطينية وعلى أن أصل المشكلة في المنطقة هي الاحتلال الإسرائيلي.
تشخيص السلطة كان صحيحا تماما، فتلك الاتفاقيات تعدّ خرقا واضحا للمبادرة العربية للسلام التي طرحت عام 2002 في قمة بيروت والتي ربطت إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي والدخول في اتفاقيات سلام بين الدول العربية و”إسرائيل” وإنشاء علاقات طبيعية معها، بانسحاب الاحتلال من كافة الأراضي العربية التي احتلها في حرب 1967 والتي تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، والتوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقبول الكيان بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
المسألة هنا ليست مسألة عدم التزام العرب بما يتفقون عليه، بل بتأثيراتها السلبية المدمرة على القضية الفلسطينية، فـ”اتفاقات أبراهام”، لو قدر لها الاستمرار، كانت ستدفن القضية الفلسطينية وتضعها على الرف وفي طي النسيان، فالسلطة الفلسطينية ومسار السلام وأنصار التسوية يعولون على الضغوط العربية والإغراءات التي يمكن أن يلقوها للاحتلال في سبيل قبول الأخير بمبدأ إقامة الدولة الفلسطينية التي من المفترض أن تكون قد أقيمت بعد خمس سنوات من عقد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني.
لقد كانت “اتفاقات أبراهام” تجسيدا لنجاح استراتيجية الإرهابي المجرم المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو القاضية بأن السلام يبدأ من الخارج إلى الداخل وليس من الداخل إلى الخارج، بمعنى عدم ربط الوصول لاتفاقات سلام مع الدول العربية بالتقدم على مسار القضية الفلسطينية، والفصل التام بين المسألتين، وهو ما تحقق في الاتفاقات التي وقعها كيانه مع الإمارات والبحرين والمغرب.
لقد كانت السعودية قاب قوسين أو أدنى للدخول في ركب “اتفاقات أبراهام”، حيث كان لديها اشتراطات، وكانت التوقعات أنه في حال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في 5 تشرين الثاني 2023 (قبل أقل من شهر من الحدث الكبير) فإن الرياض كانت ستلتحق بـ”اتفاقات أبراهام” وهي ما كان يطلق عليها الصهاينة “الجائزة الكبرى”، وكانت ستلحقها دول عربية مثل الكويت وعمان ودول إسلامية مثل إندونيسيا وربما باكستان.
هذا يعني أن الدول العربية والإسلامية التي وقعت أو ستوقع على “اتفاقات أبراهام” لم تعد تشترط انسحاب الاحتلال من الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية لتعترف بالكيان وتقيم معه علاقات طبيعية. وستصبح القضية الفلسطينية ملفا ثانويا بالنسبة لتلك الدول، فكيف ستكون إذا بالنسبة للدول الغربية؟!
لقد جاء هجوم طوفان الأقصى ليقلب الطاولة ويعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد، وقد كان لصمود وتضحيات المقاومة وأهالي غزة الأثر الأكبر لتتقدم القضية الفلسطينية ليس على جدول الأعمال العربي بل على جدول الأعمال الدولي، وبعد أن كان من المتوقع أن يصبح الكيان عضوا فاعلا في المنطقة والعالم بات اليوم منبوذا ومعزولا، وبعد أن كان من المتوقع أن يحصل نتنياهو على جائزة نوبل للسلام بات مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب.
لقد أهال هجوم طوفان الأقصى وصمود وتضحيات أهالي غزة التراب على استراتيجية نتنياهو التي كادت أن تنجح، فأصبح العالم كله يؤكد أنه لا حل ولا استقرار في المنطقة دون إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يقبله الفلسطينيون، ولذلك فقد سعى الفرنسيون والسعوديون، في نسف كامل لاستراتيجية نتنياهو، إلى تصحيح الوضع وجعل الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو السبيل الأمثل لحل القضية الفلسطينية.
لقد تحققت نبوءة زعيم حماس في غزة يحيى السنوار برأي رئيس قسم العمليات السابق في جيش الاحتلال يسرائيل زئيف، الذي قال بالحرف الواحد: “وها هو (السنوار) ينجح في الصعود إلى منصة الأمم المتحدة هذا الشهر، ليعلن العالم عن إقامة دولة فلسطينية”.