على طرفي نقيض
اغتيال تشارلي كيرك الناشط اليميني المحافظ كما وصفته بعض وسائل الإعلام في بلاد العم سام، والذي وقع مؤخراً في ولاية يوتا، كشفت عن حجم التناقضات الصارخة التي يعيشها المجتمع الامريكي منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سُدة الحكم في البيت الأبيض بل حتى قبل ذلك ببعض الوقت.
لقد أصبح اللجوء إلى العنف المسلح الدموي، بل الإرهاب والتصفية الجسدية -إن جاز التعبير- ظاهرة شائعة في داخل الولايات المتحدة، ولا يمكن النظر إلى ما قام به تايلور روبنسون قاتل كيرك الذي وصفه حاكم ولاية يوتا سبنسر كوكس في مؤتمر صحفي بـ”الناشط المشبع بالافكار اليسارية الراديكالية” بأنه مجرد حدث فردي في مجتمع يتصاعد فيه خطاب الكراهية السامة.
رغم أنه من السابق لأوانه التوصل إلى استنتاجات محددة حول خلفية مصرع تشارلي كيرك أحد أبرز مؤسسي منظمة نقطة تحول امريكا ” America turning point “، لكن المتاجرة بدماء كيرك من قبل إدارة الرئيس ترامب الجمهورية وحكام تل أبيب على نحو غير مسبوق، و الاستثمار في تكميم أفواه المعارضين لنفوذ الكيان الصهيوني المتصاعد في دوائر صنع القرار السياسي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أعادت للتو استخدام حق النقض الفيتو وللمرة السادسة داخل مجلس الأمن الدولي في نيويورك؛ لمنع تمرير قرار يسمح بإنهاء حرب الإبادة القائمة في قطاع غزة منذ قرابة العامين، جعل العديد من المراقبين والمحللين يهاجمون ازدواجية المعايير التي يتحلى بها كبار الساسة الرسميين في بلاد العم سام.
إن المزاج الشعبي العام السائد في الولايات المتحدة هذه الأيام يذكر بنوبة “الحمى المكارثية” التي اجتاحت امريكا في منتصف القرن الماضي بعد أقل من عقد على انتهاء الحرب العالمية الثانية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، حينما أطلق السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي حملةً شعبوية مسعورة ضد العديد من النخب الثقافية ذات الميول الليبرالية التقدمية في طول البلاد وعرضها بطريقة أقل ما يقال في وصفها بأنها ديماغوجية غوغائية تلعب على وتيرة إثارة المخاوف من المد الشيوعي الجارف في ذلك الحين حيث جعل العديد من المفكرين الاحرار في موقف دفاعي ضعيف لا يحسدون عليه في مواجهة سيل جارف من الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان بحقهم.
على ضوء ما تقدم، كان من الطبيعي بل من البديهي أن تتعالى الاصوات المضادة للدويلة العبرية المسخ في قلب الولايات المتحدة الأمريكية، وأن توجه أصابع الاتهام إلى “إسرائيل” نفسها بالوقوف وراء اغتيال كيرك من قبل حتى بعض المقربين إليه على نحوٍ دفع رئيس وزراء الكيان الغاصب بنيامين نتنياهو إلى الإدلاء بتصريح علني، ينفي فيه وبشدة ما يقال ويشاع حول ضلوع “إسرائيل” في اغتيال تشارلي كيرك، وهو الأمر الذي يعبر بوضوح وجلاء عن عمق الأزمة التي تعاني منها حكومة اليمين الفاشي المتطرف في تل ابيب إعلاميا و دعائيا حتى في عقر دار حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، ويبشر بتحول الرأي العام المحلي في امريكا نفسها لصالح قضية شعبنا العربي الفلسطيني الحر الأبي العادلة على المدى المنظور القريب جدا.