بالأكفان يواجه الغزيون غطرسة نتنياهو
بعد حوالي 23 شهرا من حرب صبّ فيها أقوى جيش في المنطقة (مقارنة بالجيوش طبعا) كل نيران آلته الحربية للقضاء (بحسب ما يعلن) على عدة آلاف من مقاتلي حركة حماس والمقاومة في قطاع غزة، وبعد أن استخدم كل الوسائل القذرة من حصار وتجويع وقطع مياه وتدمير بنية تحتية ومستشفيات، يأتي الإرهابي المطلوب للمحكمة للجنائية الدولية ليتبجح بإنجاز عسكري ضخم يتمثل في تدمير أكثر من خمسين بناية سكنية في مدينة غزة بحجة أن المقاومة (التي من المفترض أنه قضى عليها منذ زمن) تستخدمها كبنية تحتية في مواجهتها لقواته الهمجية!!
وبينما يزداد غرق الكيان في حرب غزة، وبينما تتعمق خسائره على الأرض، فإنه لا زال يتصرف كالمنتصر يشجعه في ذلك دعم لا متناه من حليفه في واشنطن، وصمت وعجز وجبن عربي وإسلامي، وعليه فإن الإرهابي المجرم المطلوب للجنائية الدولية لا يتورع عن إصدر أوامره بإخلاء جميع سكان مدينة غزة البالغ عددهم حوالي المليون إنسان، وهي جريمة جديدة تضاف إلى عشرات الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الكيان في عدوانه على قطاع غزة.
ردود الأفعال الرسمية، سواء العالمية أو العربية والإسلامية لم تتغير، ورغم أن الخطر داهم وأن العدو كشر أنيابه وبدأ حملة تدمير أبراج سكنية لبث الرعب في قلوب الغزيين، إلا أن الغزيين أبوا إلا أن يستمروا في مواجهة الخطر بصدورهم العارية وبعزم وإرادة وتوكل على الله.
في مقابل العربدة الصهيونية واستعراض ترسانة الأسلحة والتدمير الهائل خرج غزيون في مدينة غزة يحملون أكفانهم ويحملون رسالة واضحة للعدو وللعالم وللأشقاء: “باقون هنا ولن نرحل إلا إلى السماء”.
قد لا يستطيع الغزيون الصمود أمام دبابات العدو التي لن تتوانى عن إطلاق قذائفها عليهم بحجة أنهم من المقاومة أو من أنصار المقاومة أو ممن يدعون في صلاتهم للمقاومة، وقد يجدون أنفسهم محاصرين ومكدسين في منطقة واحدة، لكن هذا لن يقلل من موقفهم الرجولي، ولن يقلل من أثر الرسالة التي يبعث بها أولئك المتظاهرون في قلب مدينة غزة المنكوبة المهددة بالزوال.
إنها الرسالة التي تعبر عن نقيض المشروع الصهيوني؛ الثبات والتشبث بالأرض وبحلم التحرير وكنس الاحتلال. ولا أشد على المشروع الصهيوني من تلك الرسالة.
لا أحد يطالب الغزيين بالمزيد، ولا يحق لأحد ذلك، فقد قدموا ما عليهم وزيادة، لكن حين يختارون هذا الموقف من تلقاء أنفسهم، فهم يبرهنون على معدن الرجولة الضاربة في أعماقهم، ويسجلون للتاريخ موقفا بطوليا عز نظيره، ويضعوننا (عربا ومسلمين) في أوضع مكان في التاريخ.
عمل الغزيون ما عليهم وزيادة، والسؤال ماذا عملنا نحن؟! سؤال يؤرق من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.