هكذا يتحدثون عن مقاتلي حماس
صمود حركة حماس في قطاع غزة بعد 23 شهرا من حرب إبادة وحشية رغم الخلل الكبير في موازين القوى بينها وبين عدوها يثير دهشة العالم، كما يثير دهشة المهتمين والخبراء وحتى علماء السياسة، لذلك تراهم يحاولون تفسير ذلك بالأسلوب العلمي.
في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، وهي مجلة سياسية مرموقة يكتب فيها علماء سياسة كبار لهم بصمتهم في علم السياسة والعلاقات الدولية، تحاول مؤلفة كتاب “السياسة الخارجية لحركة حماس: الأيديولوجية، صنع القرار، والتفوق السياسي”، ليلى سورا -في المقال المترجم المنشور في صحيفة الغد- فك شيفرة حماس وقدرتها على الصمود.
لا شك أن حركة حماس كحركة تحرير وطني تواجه وضعا صعبا لم تواجهه أي حركة تحرير وطني طيلة القرن الماضي الذي شهد كثرا من حروب التحرير إبان الحقبة الاستعمارية.
لم يحصل يوما أن كانت حركة تحرير وطني محاصرة كما هي حركة حماس، فكل حركات التحرير الوطني كانت تحظى بدعم ومساعدة دول وأحيانا قوى كبرى؛ عسكريا وماليا وسياسيا. وكانت تحظى بحدود طويلة تمكنها من المناورة وإدخال المساعدات العسكرية والغذائية. وهذا ما لم يتوفر لحركة حماس المحاصرة تماما، والتي لا تجد أي دعم عسكري أو سياسي، باستثناء دولة محاصرة هي الأخرى وبعيدة عنها ولا تربطها بها أي حدود وهي إيران، ليس هذا فحسب بل هي محاصرة في مساحة ضيقة جدا لا توفر لها أي مناورة لتهريب السلاح والعتاد والمؤن.
تحدد سورا أساسين هامين في محاولة تفسير ذلك الصمود: “استثمرت حماس إمكانات الحرب غير المتكافئة وعزيمة مقاتليها الفريدة”.
تقول سورا: “على الرغم من قطع الدعم الخارجي عن حماس، وتعرضها لضغوط متصاعدة في قطاع غزة، إلا أن مقاتليها أظهروا قوة مذهلة. وكثيراً ما كانت قدرة الحركة على تجديد قوتها البشرية سمة مميزة لها، مما سمح لها بالحفاظ على وجود صلب لها داخل المجتمع الفلسطيني، حتى بعد تعرضها لانتكاسات شديدة. ولا تشكل الحرب الراهنة استثناء لهذه القاعدة”.
وتؤكد سورا: “بعد ما يقرب من عامين على بدء هذه الحرب، تكاد نقاط قوة حماس وضعفها تتناقض تماماً مع نقاط القوة والضعف لدى إسرائيل. فبينما تمتلك إسرائيل موارد عسكرية هائلة، فإنها تكافح لحشد عشرات الآلاف من الجنود الإضافيين الذين تحتاج إليهم لغزو مدينة غزة بصورة شاملة. وفي المقابل، تواصل حماس، على الرغم من الخسائر الفادحة في صفوفها، تجنيد مقاتلين جدد لتعويض هذه الخسائر”.
وتخلص سورا إلى أن نتنياهو فشل فشلا ذريعا في غزة، وهو يحاول تعويض ذلك في جبهات أخرى، وتؤكد أن الواقع في غزة مختلف تماما عن الصورة التي يرسمها نتنياهو: “في العام 2024، سعى نتنياهو والمؤسسة العسكرية إلى القضاء على حلفاء حماس الإقليميين، ولا سيما حزب الله في لبنان. أما الآن، ومع استمرار فشل الجيش في تحقيق أهدافه المعلنة ضد حركة حماس نفسها، فقد جرى تكثيف الهجمات في كل من لبنان وسوريا واليمن. ومن خلال الترويج لهذه العمليات على جبهات أخرى، بما في ذلك ضد إيران، تسعى حكومة “إسرائيل” إلى التعتيم على الواقع الفعلي في غزة. وقد برزت فجوة هائلة بين الصورة التي تحاول هذه الحكومة رسمها للصراع، والحقيقة القائمة فعلاً على الأرض”.
دعونا نتوقف عند جملة “عزيمة مقاتليها الفريدة” و”إلا أن مقاتليها أظهروا قوة مذهلة”. ربما لا تعبر تلك الكلمات عن حقيقة المجاهد الفلسطيني المحمّل بكل الموعود الإلهي المنغرز في صدور معظم الشباب الفلسطيني، كما أنها لا تعبر عن التوفيق الإلهي الذي يراه المجاهدون في الميدان فيزيدهم إرادة وتصميما على القتال حتى النهاية.
لقد واجه الغرب تلك القوة والعزيمة الفريدة المذهلة في كل مكان دخلوه في العالم العربي والإسلامي، وهو يعرفها تماما ويعرف ما يمكن أن تصل إليه، ولا غرو أن أكبر استثماراتهم كانت لنزع تلك القوة والعزيمة من نفوس الشباب.