الأخبار

في العيد حيث الفرح المؤقت

يونيو 4, 2025 12:26 م
محمد محيسن

لحظات الفرح المؤقتة التي كان الناس يقتنصونها في العيد قبل سنوات غابت، واستبدلت مكانها حكايا الحرب وجغرافيا الفقر وصورة لطفل مزقت القنابل أحشاءه، بينما الخوف من المجهول بات سيدًا مقيمًا في البيوت.
وفي العالم العربي الذي يقاس الزمن فيه بالأعياد أكثر مما يقاس بالإنجازات، يتعامل المواطن مع العيد كمن ينتظر مكافأة نهاية خدمة لعام من الشقاء: قطعة حلوى، القليل اللحم إن حالفه الحظ، أو بنطالًا جديدًا من عروض اللحظة الأخيرة للمحال التجارية التي كسدت بضاعتها.
ولأننا نجيد ونبدع في تأليف الحكايات، يبدأ الموسم القصصي مبكرًا في أسواق البالة وأسواق الماركات المقلدة. هناك، تبدأ حكايات البسطاء الذين يحاولون الظهور بمظهر العيد، حتى لو استعانوا بمقاسات غير مناسبة، أو أقمشة لا تختفي منها رائحة “النفتالين” ولو غسلتها مرتين.
أما الوجه الآخر من العملة، وجه الساسة وأصحاب الكراسي، فلم يتغير الامر كثيرًا، فالعيد بالنسبة لهم إجازة من الإجازة، ورحلة استجمام إلى اللامسؤولية، أو استراحة يتذكرون فيها كم كانوا مرهقين من متابعة حساباتهم البنكية، وفرصة للتوقف عن الكذب والاستماع للمجاملات والنفاق.
والكثير من البسطاء لا ينتظرون العيد كفرصة للفرح، بل كاختبار إضافي للصبر. هم يعرفون أن الفرحة قد تكون مشروطة بلحظة كرم من جار كريم، أو قريب استطاع أن ينتصر على ارتفاع أسعار الأضاحي. البعض منهم يمر عليه العيد كما تمر أيام التقشف: بدون بهجة، بدون لون، بدون رائحة كعك.
ويأتي العيد ليعيد تمثيل المسرحية السنوية نفسها: الأطفال يحلمون بملابس جديدة، بينما الآباء ينظرون إلى الأسعار كما لو كانت مزحة سيئة. لولا ما تبقى من التكافل الاجتماعي، لربما صار العيد مجرد ذكرى وطنية تحتفل بها في الأخبار فقط.
في زحام الفرحة المعلبة، تظهر الفجوة الطبقية بوضوح فاضح: سيارات فارهة تقف أمام محلات “الشوكولاتة البلجيكية”، بينما في الطرف الآخر تقف أمٌّ تحاول إقناع طفلها أن الحلوى “مش مفيدة للسنّ”.
وإذا كان الكبار يتظاهرون بالفرح، فهم غالبا يمارسونه تحت ضغوط المحفظة، والمجاملة، وضغوط الأعراف. وكالعادة، يتعاملون مع العيد بنظرية “مكرهاً أخاك لا بطل” .
وفي العيد أيضًا، تنشط مواسم المقارنة: من لبس ماذا، من اشترى ماذا، ومن ذهب أين. كل ذلك مصحوب بجرعة يومية من الحسد والنميمة، الموروث الذي لا ينقرض؛ فالإنسان المقهور يبحث دائمًا عن مقهورٍ آخر، ليشعر أن ميزان الحياة ليس مختلًّا وحده.

مواضيع ذات صلة
الحياد المستحيل والتكيّف المفقود
الحياد المستحيل والتكيّف المفقود

يوليو 19, 2026 10:44 م

حازم عياد   الحفاظ على حياد حركة أنصار الله الحوثية في اليمن مسألة عصية المنال، كحال الإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي...
الحرب تزداد سخونة وشررها يطال الجميع
الحرب تزداد سخونة وشررها يطال الجميع

يوليو 19, 2026 5:55 م

عبد الله المجالي برغم عدم إعلانها رسميا من الطرفين، إلا أن العمليات العسكرية تزداد سخونة بين الولايات المتحدة وإيران ويتسع...
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟

يوليو 18, 2026 3:42 م

عبد الله المجالي التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة على هامش اجتماع قمة حلف الناتو،...
نحو من تعديل القوانين وتخفيض سن المسؤولية القانونية
نحو من تعديل القوانين وتخفيض سن المسؤولية القانونية

يوليو 18, 2026 2:38 م

مهند أبو فلاح [*] عضو الهيئة الإدارية لجمعية الكتاب الإلكترونيين الأردنيين ‏مع ارتفاع الجرائم في الآونة الأخيرة لوحظ ان نسبة...
نساء الحي في زمن الطيبين
نساء الحي في زمن الطيبين

يوليو 18, 2026 2:26 م

محمد محيسن على هيئة حلقة، وفي غرفة صغيرة، اجتمعت نساء الحي يتبادلن أطراف الحديث، فتذكرن تلك القصص التي جاءت معهن...
الدنيا متاع الغرور
الدنيا متاع الغرور

يوليو 18, 2026 2:10 م

الدكتور عبدالله المشوخي لعل أدق وصفٍ لهذه الحياة الدنيا ما وصفها به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا...