الانفتاح الأردني السوري.. شراكة إقليمية تخدم المصالح المشتركة
السبيل – خاص
مثّل الاتصال الهاتفي الذي جمع الملك عبد الله الثاني والرئيس السوري أحمد الشرع خطوة جديدة في مسار التقارب الأردني السوري، في لحظة إقليمية تتطلب تعزيز الشراكات الثنائية القائمة على المصالح الواقعية، بعيداً عن منطق الاصطفافات.
ويعكس هذا التقارب المتسارع إدراكاً مشتركاً من الجانبين بأن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يتحققان إلا من خلال التنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي، والتفاهم الحدودي. وفي هذا السياق؛ يظهر الأردن وسوريا دولتين تتجهان بخطى واثقة نحو بناء نموذج من التعاون المتبادل الذي يخدم شعبيهما، ويعزز الاستقرار في جنوب بلاد الشام.
ولا يمكن اعتبار الحديث عن “تثبيت الاستقرار في الجنوب السوري” و”تعزيز أمن الحدود” مجرد عبارات بروتوكولية، بل هو تعبير عن رؤية استراتيجية مشتركة لأمن إقليمي قائم على التنسيق الثنائي، والحد من تهديدات التهريب والجماعات الخارجة عن القانون. فالأردن، الذي طالما تحمل أعباء أمنية واقتصادية نتيجة النزاع السوري، يرى اليوم فرصة واقعية لبناء حدود آمنة ومستقرة مع جارته الشمالية.
وفي المقابل؛ تعي سوريا أن إعادة بناء مؤسساتها وتعافيها الاقتصادي يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، تبدأ من تحسين العلاقات مع الدول المجاورة. وهنا، يأتي الأردن كشريك موثوق وداعم حقيقي، لا سيما مع تجذّر العلاقات بين الشعبين، وامتداد الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الجنوب السوري والشمال الأردني.
ويحمل التقارب الأردني السوري أيضاً آفاقاً واسعة للتعاون في مجالات المياه والطاقة والتجارة، وفق ما أكد الملك في المكالمة الهاتفية مع الشرع. فالبنية التحتية العابرة للحدود، والموقع الجغرافي الإستراتيجي لكلا البلدين، يفتحان الباب أمام مشاريع استثمارية وتجارية قد تعود بفوائد مباشرة على الاقتصادين المحليين، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.
كما أن تأسيس مجلس التنسيق الأعلى بين البلدين يُعد خطوة مؤسسية مهمة لوضع خارطة طريق تنموية حقيقية، بعيدة عن الشعارات، قائمة على تحديد الأولويات الاقتصادية وتيسير حركة التجارة والنقل، وهو ما ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطنين، ويُسهم في دعم التعافي السوري.
ويحمل هذا التقارب الثنائي أيضاً رسائل إيجابية إلى المحيط العربي، بأن العمل المشترك لا يزال ممكناً، وأن العلاقات البينية العربية قادرة على تجاوز الأزمات إذا توفرت الإرادة السياسية. ويأتي الأردن اليوم بدور فاعل في إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي، وتثبيت منطق الدولة في مواجهة فوضى ما بعد النزاعات.
إن الانفتاح الأردني السوري ليس فقط تطبيعاً سياسياً، بل هو مشروع شراكة متكاملة في الأمن والتنمية والاستقرار. وهو يؤكد أن المصالح الحقيقية للشعوب لا تتحقق إلا من خلال الحوار والتعاون والتكامل، وأن الأمن القومي لا يُبنى بالجدران بل بالجسور. وفي ظل هذه الرؤية الواقعية، يشكل هذا التقارب نموذجاً يحتذى في السياسة الإقليمية الرشيدة.