أحلك الأوقات
في الوقت الذي يُذبح فيه أهلُنا في غزة، ويتبجّح نتن ياهو بنيّته تغيير خريطة الشرق الأوسط، ويتحدّث ساسة الاحتلال عن “إسرائيل الكبرى”، نشرت قناة “يورونيوز” تقريرًا استند إلى تحقيق مفصّل من مجلة “نيوزويك”، حول مناورات جوية تُجرى حاليًا في قاعدة أندرافيدا باليونان، تحت اسم “إينوفاس 2025″، بقيادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني المجرم، وبمشاركة عربية لأول مرة – فيما لم تكن الأردن من بين الدول المشاركة، بل على العكس، قد تكون من الدول المستهدفة بهذه المناورات.
ويُشير التحقيق إلى أن الهدف من هذه المناورات هو تبادل التقنيات العسكرية، والتصدي لإيران، وتعميق العلاقات بين الدول المشاركة.
ويكتب موقع OsintWarfare الاستخباراتي أن الطيران الصهيوني ونظيره العربي يعملان بشكل وثيق، ويتشاركان في جلسات تخطيط المهام، في سابقة تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري. ويضيف أن الدول العربية المشاركة قد حسمت أمرها، مفضّلة ما تعتبره “مصالحها الوطنية” على حساب المصالح القومية والأمن القومي العربي.
وتضيف تقارير استخباراتية – إلى جانب ما أورده الموقع – أن من بين أهداف هذه المناورات الاستعداد لاحتمال مهاجمة الصهاينة للجيشين الأردني والمصري في حال اندلاع حرب إقليمية. فعلى سبيل المثال، تشير التقارير إلى أن أحد أهداف المناورة هو التدريب على التصدي لطائرات “رافال” الفرنسية، التي تُعدّ عماد القوة الجوية المصرية. وتمتلك مصر حاليًا 24 طائرة من هذا الطراز، كانت قد اشترتها عام 2015، وتنتظر تسلّم 30 طائرة إضافية بحلول عام 2026، ضمن صفقة تبلغ قيمتها 4.5 مليار دولار، مما يجعلها ثاني دولة في العالم تمتلك هذا العدد بعد فرنسا.
واللافت أن بعض الطائرات من طراز “رافال” المشاركة في هذه المناورات قد تم تقديمها من قِبل دول عربية، في مشهد يثير التساؤلات، إذ تُستخدم طائرات من الطراز ذاته الذي تعتمد عليه مصر كركيزة لسلاحها الجوي، في تدريبات تهدف – بحسب التقارير – إلى التحضير لمواجهته.
أنا على يقين بأن الدول العربية المشاركة لا تدرك النوايا الخفية للعم سام وربيبته الصهيونية في ترتيباتهما الجديدة للمنطقة، وهي الترتيبات التي تقف كل من الأردن ومصر في مواجهتها بشكل واضح. وما أعلمه يقينًا، أنه لم يتبقَ في المنطقة سوى قوتين عربيتين تُشكّلان تهديدًا حقيقيًا للكيان الصهيوني، ومن غير المقبول – في نظره – أن تبقيا على هذه القوة.
نعيش اليوم زمنًا يُشبه ذروةَ الانحطاطِ العربي، حين استدعت الدولةُ الفاطميةُ الصليبيين لمحاربة أعدائها السلاجقة، وحين تحالفت الدويلاتُ الإسلاميةُ مع التتار وهم في طريقهم إلى قلبِ الخلافةِ في بغداد، وحين قاتلت ممالكُ الطوائف جنبًا إلى جنب مع القشتاليين ضدّ إخوانهم.
إنّ ما نشهده اليوم صورةٌ صارخةٌ لتمزّقِ العالمِ العربي والإسلامي، ودليلٌ ساطعٌ على ضعفه وهوانه؛ حيث أطاحت المصالحُ الضيقةُ بالمصالحِ الكبرى، وصارت الأوطانُ تُقدَّم قرابينَ على مذبحِ الأنانيةِ والارتهان.
والله، سندفع جميعًا ثمن تخاذلنا مع أهلنا في غزة، وسنُذبح كما تُذبح الشياه، كما ذُبح أجدادنا في بغداد يوم سقطت الخلافة، وكما أُبيد أهل القرى والمدن في بلاد الشام زمن الحملات الصليبية.