هل مكملات أوميغا-3 مفيدة حقاً للدماغ؟
السبيل –
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً للصحفية “دانا سميث”، قالت فيه إن تناول مكملات أوميغا-3 (أو زيت السمك) يبدو، من الناحية النظرية، أمراً منطقياً للغاية.
وتُعد أحماض أوميغا-3 الدهنية ضرورية لصحة الدماغ؛ فهي تُستخدم لبناء خلايا الدماغ، وتحافظ على مرونة جدران الخلايا، وتُمكّن الخلايا العصبية من تكوين روابط جديدة والتواصل مع خلايا أخرى.
وقد أظهرت دراسات عديدة أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من أوميغا-3 في الدم يتمتعون بقدرات إدراكية أفضل ودماغ أكثر صحة، فضلاً عن انخفاض خطر الإصابة بالخرف.
وفي المقابل، أظهرت الدراسات أن المصابين بمرض الزهايمر لديهم مستويات أقل من أوميغا-3.
ولكن ثمة عقبة، فقد وجدت الغالبية العظمى من التجارب السريرية أن تناول مكملات أوميغا-3 لا يقدم فعلياً أي فائدة تذكر فيما يتعلق بالقدرات الإدراكية أو أعراض الخرف.
تقول الدكتورة كريستين يافي، أستاذة الطب النفسي وطب الأعصاب وعلم الأوبئة في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان فرانسيسكو: “يبدو الأمر منطقياً وبديهياً”؛ فالخلايا العصبية تحتاج إلى الأحماض الدهنية للحفاظ على صحتها، ولذا ينبغي للمرء تناول مكملات هذه الأحماض.
وتضيف قائلة: “المشكلة تكمن في أن معظم الأدلة – ولا سيما الأدلة المستمدة من التجارب السريرية – لا تدعم هذا الأمر على الإطلاق”.
وتُعد الدراسة التي نُشرت الشهر الماضي مثالاً بارزاً على ذلك؛ فقد سعى العلماء القائمون على التجربة السريرية إلى تغطية كافة الجوانب المحتملة: كان المشاركون من كبار السن الذين لا يتناولون الكثير من الأسماك (الغنية بأوميغا-3)، مما يشير إلى أنهم قد يكونون الأكثر استفادة من المكملات الغذائية.
كما كان لدى نحو نصف المشاركين خطر وراثي متزايد للإصابة بمرض الزهايمر، وهي فئة أخرى يعتقد الخبراء أنها قد تحتاج إلى كميات أكبر من أوميغا-3. بل إن الباحثين أجروا فحوصات بزل قطني لبعض المشاركين للتأكد من أن المكمل الغذائي قد أدى بالفعل إلى رفع مستويات أوميغا-3 في الدماغ.
ومع ذلك، وعند مقارنة المكمل الغذائي بدواء وهمي (بلاسيبو)، لم يسفر المكمل عن أي فائدة فيما يتعلق بالقدرات الإدراكية أو بنية الدماغ لدى المشاركين.
إذن، ما سبب هذا التناقض؟ يطرح العلماء عدة فرضيات، ترتبط معظمها بالنظام الغذائي ونمط الحياة.
الفرضية الأولى: يحصل معظم الناس بالفعل على كميات كافية من أوميغا-3، وهناك ثلاثة أنواع رئيسية من أحماض أوميغا-3 المهمة للصحة: (EPA وDHA الموجودان بشكل أساسي في الأسماك، وALA الموجود في المكسرات والبذور). ويمكن للكبد تحويل كميات صغيرة من ALA إلى EPA وDHA.
يُعد حمض DHA الأكثر أهمية للوظائف الإدراكية، وتوجد منه مخزونات كبيرة في أدمغتنا. ووفقاً لريتشارد بازينيت، أستاذ علوم التغذية في جامعة تورنتو، فإن كمية DHA التي تستهلكها أدمغتنا يومياً لا تمثل سوى جزء ضئيل من ذلك المخزون.
وحتى لو لم يتناول الأشخاص كميات كبيرة من الأسماك، يعتقد الدكتور بازينيت أنهم يحصلون على الأرجح على ما يكفي من “أوميغا 3” من خلال نظامهم الغذائي – وتحديداً من حمض ALA – لتعويض الكمية القليلة من DHA التي يستهلكها الدماغ.
يقول الدكتور بازينيت “نحن جميعاً نستهلك كميات كبيرة” من ALA. وإذا كان مستوى تناول الأشخاص لـ DHA منخفضاً، يمكن للكبد تحويل ALA إلى DHA وإرساله إلى الدماغ.
ويرى بازينيت أنه نظراً لأن الغالبية العظمى من الناس يحصلون على كفايتهم من “أوميغا 3” عبر نظامهم الغذائي، فإن الفوائد الدماغية التي يلاحظها العلماء لدى الأشخاص الذين لديهم مستويات عالية من DHA في الدم تعود على الأرجح إلى عوامل أخرى غير “أوميغا 3″؛ ويرجح أن تكون ناجمة عن عادات صحية أخرى غالباً ما تقترن باتباع نظام غذائي غني بالأسماك.
على سبيل المثال، عندما يتناول شخص ما السمك في وجبة العشاء، فإنه عادةً ما يرافقه بالخضروات وليس بالأطعمة غير الصحية (الوجبات السريعة). يقول الدكتور بازينيت: “إذا كنت ستتناول شريحة لذيذة من سمك التونة، فقد تتناول معها القليل من السلطة”.
ويضيف “وعندما تتناول تلك الوجبة، فإنك لا تتناول شيئاً آخر” أقل فائدة لصحة دماغك.
الفرضية الثانية: طريقة تمثيل الجسم لأحماض “أوميغا-3” هي العامل الأهم، وهنا يرى الدكتور حسين ياسين، أستاذ طب الأعصاب في كلية “كيك” للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا، أن الطريقة التي يستخدم بها الدماغ أحماض “أوميغا-3” هي الأمر الأكثر أهمية.
يوجد في الدماغ جزيء يعمل على تفكيك أحماض “أوميغا-3” والتخلص منها.
ورغم أن هذا الجزيء موجود لدى الجميع، إلا أن الدكتور ياسين وجد أنه يكون أكثر نشاطاً لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بمرض الزهايمر؛ إذ من المحتمل أن تقوم أدمغتهم بتمثيل (استقلاب) أحماض “أوميغا-3” بسرعة أكبر، مما يؤدي إلى استنفاد مستوياتها.
ولتحسين صحة الدماغ، يعتقد الدكتور ياسين -الذي قاد أيضاً التجربة الأخيرة حول مكملات أوميغا-3- أن بعض الأشخاص لا يحتاجون فقط إلى زيادة تناولهم لأوميغا-3، بل يحتاجون أيضاً إلى تقليل نشاط ذلك الجزيء الآخر.
ورغم أن الأبحاث لا تزال في مراحلها الأولية، إلا أن هناك أدلة تشير إلى أن هذا الجزيء يتأثر بالميكروبيوم المعوي (البكتيريا النافعة في الأمعاء)، ويكون نشاطه أقل لدى الأشخاص الذين يعتمدون نظاماً غذائياً غنياً بالنباتات والألياف والأطعمة المخمرة.
بعبارة أخرى، لكي يستفيد الدماغ، فأنت بحاجة إلى العناصر الغذائية الموجودة في التونة، وكذلك تلك الموجودة في السلطة أو الأطباق الجانبية الصحية الأخرى.
يقول الدكتور ياسين “إذا كان الشخص يتبع نظاماً غذائياً سيئاً، وقمت بإعطائه مكملاً غذائياً يغير فقط مستوى أحماض أوميغا-3 في دمه ودماغه، فإن دراستنا تشير إلى أن ذلك لن يجدي نفعاً”.
الفرضية الثالثة: لجني الفوائد، يجب استهلاك كميات كبيرة من أحماض أوميغا-3 على مدى عقود.
ولا يزال هناك من لا يتخلون عن فكرة مكملات أوميغا-3؛ إذ يعتقد جين بومان، الأستاذ المساعد في طب الأعصاب بكلية الطب بجامعة هارفارد، أن أحد أسباب فشل التجارب السريرية يكمن في أنها تختبر المكملات لفترة قصيرة لا تتعدى بضع سنوات.
وهذه مدة قد لا تكون كافية لرصد التغيرات التي تطرأ على الدماغ،
وعندما تكون مستويات أحماض “أوميغا-3” مرتفعة في دم الأشخاص، فغالباً ما يكون ذلك نتيجة لتناولهم أطعمة غنية بهذه الأحماض – بمعدل ثلاث حصص من الأسماك أسبوعياً وفقاً لبعض التقديرات – على مدار عقود.
يقول بومان: “أعتقد أن سبب هذا التباين أو عدم الاتساق قد يعود ببساطة إلى عوامل منهجية بحتة”.
ويضيف “لذا، يتعين علينا إما البدء في وقت أبكر بكثير وإجراء تجارب تمتد لفترات أطول، أو ابتكار علاج أكثر فعالية وذو تأثير أقوى”.
يتابع “فعلى سبيل المثال، قد تكون أحماض “أوميغا-3” أكثر فعالية عند دمجها مع عناصر غذائية أخرى، وهو ما يُعرف بنظرية السمك مع السلطة، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص في العناصر الغذائية.