شمس الحضارة
شعر: عبد السلام السلايمة
غَرَبَتْ والْتحف الأفقُ الظلاما
والجواري الغُر أسبلن اللِّثَاما
وأَوَى الطيرُ إلى أعشاشه
في سِعَاف النخلِ أو تحتَ الخُزَامى
وكَسَا الأرضَ خمارٌ أَطْلَسٌ
زادَه رَصْعُ اليَوَاقِيت فَخَاما
وأطلَّ البدرُ من فوق الرُّبَى
زَاهِرًا يُلقي على الأرض السَّلامَا
والتقى السُّمَّار في حانوتهم
بسلاف الزِّق يُزجون الأوَامَا
واختلى الناسك في محرابه
يَنْشُدُ الوَصْلَ سجودًا وقِيَاما
كُلُّ ما في الأرض أَرْخى سَدْله
ما عدا الخفاشَ قد شَدَّ الحِزَاما
*
خرجَ المأفونُ من مخبئه
عازمًا أنْ يَجعلَ الكونَ عَتَاما
دارعًا والقوسُ في مَنكبه
مُشْرِعًا للحرب رُمحًا وحُسُاما
هادرًا كالسيل يَهوي مِن عِلٍّ
ناعبًا يَنفثُ جمرًا وسخاما
كم ستبقى الشمسُ تعشينا ضحًى
كيف نلقى صَولة الضوء نياما
نحن جند الليل فرسان الدُّجَى
ننهش اللحمَ ونمتصُ العِظَاما
فتعالت صرخات حوله
وزعيقٌ زادَه الرَّجْعُ احتداما
سوفَ نُطفي الشمسَ إنْ لاحت غدًا
ونُحِيل الأرضً حُلكًا وسِحَاما
*
ومضى الليل إلى غايته
وسط أمواج حشودٍ تتطامى
كان زحفًا كل ما فيه عمًى
تائه أعمى ووغد يتعامى
*
وأماط الأفق أسجاف الدجى
فَسَرَتْ أنفاسُ صبح تتهامى
وشَدَا الحسون أنغام الصبا
وسقى قطرُ الندى الوردَ غَمَاما
واحتسى النحل رضابًا غدقا
مِن لمى النرجس فاهتز غَرَاما
وتسامى الفجرُ يجتاحُ المدى
فتوارتْ نجمةُ الصبحِ احتشاما
وغَدَا الفلاحُ يسقي حقله
خَضَّب الطين ذراعيه فَهَاما
وانتشى المرياع يحدو رَكْبه
يقرعُ الأجراسَ لحنًا ومَقَاما
كل ما في الكون يزهو أَلَقًا
ما عدا الخفاشَ يربدّ قَتاما
أشرقتْ فابتهجَ الكونُ بها
وارتمى جيشُ العَمِيِّين فَحَاما