نتنياهو وبن غفير والأقصى.. تصعيد ممنهج أم إستراتيجية بقاء؟
السبيل – خاص
كشف تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية عن قرار لبنيامين نتنياهو بالتنازل عن بند يقيد تدخل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في شؤون المسجد الأقصى المبارك.
ويعكس القرار بوضوح طبيعة التحالف الحاكم في كيان الاحتلال وأولوياته في هذه المرحلة، حيث يمنح اليمين المتطرف حرية أوسع في إدارة الملف الأكثر حساسية وانفجاراً في القدس المحتلة.
ونتنياهو يواجه ضغوطاً قانونية وإعلامية داخلية (التماسات للمحكمة العليا لإقالة بن غفير، وموقف المستشارة القانونية غالي بهاراف ميارا)، لكنه يختار مرة أخرى مصلحة ائتلافه الضيق مع حزب “القوة اليهودية” على حساب أي ضوابط شكلية.
ويعني التنازل عن شرط موافقة رئيس الوزراء أو الحكومة بكاملها على القرارات “الحساسة للغاية” المتعلقة بالأقصى عملياً؛ تفويضاً لبن غفير ولقائد منطقة القدس (الذي ينسق معه) في تغيير الواقع الميداني داخل المسجد ومحيطه.
ويعكس القرار ضعف نتنياهو السياسي أكثر مما يعكس قوته. فهو يحتاج إلى بن غفير وسموتريتش للبقاء في السلطة، وبالتالي يدفع الثمن بتسليم مفاتيح التصعيد في القدس لهذه الشخصيات المتطرفة، التي ترى في الأقصى “جبلاً مقدساً” يجب “تهويده” تدريجياً، وتعتبر أي قيود عليه “استسلاماً”.
ويمهد القرار لمزيد من الاقتحامات المنظمة، زيادة التواجد اليهودي تحت حماية الشرطة، تغيير أوقات الزيارات، وفرض وقائع جديدة بالقوة. وقد سبق أن أثبت بن غفير أنه لا يحترم حتى “الوضع القائم” الذي يتحدث عنه الاحتلال دائماً. ومنحُه حرية التصرف يعني تصعيداً محتملاً في أي لحظة، خاصة مع اقتراب أعياد يهودية أو مناسبات فلسطينية.
وعليه؛ فإن هذا التصعيد يمثل جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى تقسيم المسجد زمانياً ومكانياً، وإضعاف الوصاية الهاشمية، وخلق واقع يجعل أي حل سياسي مستقبلي يتضمن “حقوقاً يهودية” في الأقصى أمراً واقعاً.
ويؤكد هذا القرار أن الرهان على “الاعتدال” المزعوم داخل حكومة الاحتلال وهم كبير. فنتنياهو ليس “شريك سلام” ولا حتى “مدير أزمات”، بل هو الوجه السياسي الذي يغطي على مشروع استيطاني توسعي متطرف.
وكلما منح نتنياهو بن غفير المزيد من الحبل؛ ازدادت فرص اشتعال انتفاضة جديدة أو عمليات نوعية تردع المستوطنين والمتطرفين. وقد أثبتت تجارب سابقة (سيف القدس 2021 وما بعدها) أن المساس بالأقصى يحول الصراع من مواجهة محلية إلى إقليمية، وهذا ما يخشاه الاحتلال لكنه يقترب منه بفعل تركيبته الحكومية.
ويراهن نتنياهو على أن التصعيد المحدود في القدس يرضي قاعدته اليمينية دون أن يؤدي إلى حرب شاملة. لكن هذا الرهان خطير ووهمي. فالوضع في الضفة متوتر، وغزة لا تزال تشكل تهديداً استراتيجياً للاحتلال، والمحور المقاوم أصبح أكثر تماسكاً وخبرة. كما أن الضغط الدولي (حتى لو كان شكلياً) والرأي العام العربي والإسلامي سيجعلان أي تصعيد كبير في الأقصى كارثة سياسية للاحتلال، وفق مراقبين.
إن قرار نتنياهو بالتنازل لبن غفير ليس سوى تعبير عن الأزمة الداخلية التي يعانيها الاحتلال بطبيعته العنصرية المتطرفة. وهو يمنح المقاومة الفلسطينية مبرراً إضافياً لتعزيز خيار المقاومة والصمود. فالأقصى ليس مجرد مكان مقدس، بل هو خط أحمر يختبر فيه الشعب الفلسطيني والمقاومة صدقية المعادلات الجديدة التي فرضتها دماء الشهداء.