الأخبار

دوافع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وتداعياتها المحتملة

يونيو 23, 2026 4:02 م
عاطف الجولاني

عاطف الجولاني
[*] خاص بمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت

أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في 2/2/2026 مرسوماً رئاسياً يدعو الفلسطينيين للمشاركة في انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 1/11/2026 حيثما أُتيح ذلك داخل فلسطين وفي الشتات، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، وبحيث تتولّى لجنة الانتخابات المركزية الإشراف الكامل على العملية الانتخابية، ووصف عباس 2026 بأنه عام الانتخابات. وتتناول هذه الإضاءة سياق المرسوم ودوافعه وتداعياته على الوضع الفلسطيني.

أولاً: سلوك قيادة السلطة وفتح:

يأتي مرسوم رئيس السلطة في سياق سلسلة خطوات متتابعة ومترابطة، ففي 18/8/2025 أصدر مرسوماً بتشكيل لجنة لصياغة الدستور المؤقت “للانتقال من السلطة إلى الدولة”.

وأكد بيان رئاسي صدر في 3/10/2025 أنه سيتم تعديل قانون الانتخابات الفلسطينية والقوانين ذات الصلة استناداً لأحكام الدستور المؤقت، وبحيث “يُحظر على أيّ حزب أو قوة سياسية أو فرد الترشّح، ما لم يلتزم بالبرنامج السياسي والالتزامات الدولية والقانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية”. وأشارت المادة 79 من مسودة الدستور إلى أن “لرئيس الدولة أن يُعيّن نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه وأن يقبل استقالته”. كما نصت المادة 84 على أن “لرئيس الدولة بعد التشاور مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب حلّ مجلس النواب”. وفي 5/2/2026 تسلّم عباس مسودة الدستور وأصدر في 9/2/2026 قراراً بنشرها وإتاحتها للجمهور والمؤسسات للاطلاع وإبداء الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاءت الانتخابات المحلية في 25/4/2026 كأول استحقاق بموجب التعديلات الدستورية الجديدة، حيث أجريت في محافظات الضفة الغربية، واقتصرت على دير البلح في قطاع غزة، واستثنت القدس المحتلة. وقد هيمنت حركة فتح على معظم المجالس البلدية والقروية، نتيجة تغييب حركة حماس والعديد من القوى الفلسطينية المعارضة عن المشاركة فيها، عبر اشتراط قبول القرارات الدولية التي تعترف بـ”إسرائيل” واتفاقية أوسلو.

وبعد 10 سنوات من عقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح، انعقد في 14/5/2026 المؤتمر الثامن بمشاركة أعضاء من الضفة والقطاع وبيروت والقاهرة عبر تقنيات الاتصال المرئي، ليشكّل الاستحقاق الثاني للتعديلات الدستورية. وأعاد المؤتمر انتخاب محمود عباس بالإجماع رئيساً للحركة، واختار حسين الشيخ نائباً له، وشهد سيطرة واضحة للجناح الأمني في السلطة على مقاعد اللجنة المركزية للحركة، كما تمّ انتخاب ياسر عباس نجل رئيس السلطة عضواً في اللجنة عن إقليم لبنان، في مؤشر إلى التوجّه للتوريث في الحالة الفلسطينية، فيما تمّ إقصاء عدد من القيادات التاريخية، من بينها عضو اللجنة السابق عباس زكي، كما جرى استبعاد تيار القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان من المشاركة في المؤتمر. وهاجم العديد من رموز فتح نفسها نتائج الانتخابات وما وصفوه بانفراد محمود عباس ومؤيديه باختيار أعضاء المؤتمر العام للتحكّم في نتائجها.

ثانياً: دوافع السلطة لحسم ملف انتخابات المجلس الوطني:

تبرز مجموعة دوافع لدى قيادة السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 1/11/2026، والتي تأتي كاستحقاق ثالث للتعديلات الدستورية، ومن أهمها:

1. رغبة قيادة السلطة بتجديد شرعيتها التنظيمية والسياسية، للتكيّف مع الضغوط الدولية لإصلاحها كسلطة متجددة، بما يبرّر استمرار وجودها ودورها، ويوفّر فرصة لقبولها إسرائيلياً، ويؤهلها للعب دور لاحق في إدارة قطاع غزة.

2. رغبة السلطة بتجاوز أزمة تراجع الثقة الشعبية التي أكدتها استطلاعات الرأي المحايدة، حيث أظهر استطلاع الرأي الذي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في 28/10/2025 استمرار انحسار شعبية فتح والسلطة ورئيسها، فقد طالب 80% من المستطلعين في الضفة والقطاع باستقالة محمود عباس من رئاسة السلطة، وأيّد 35% حركة حماس مقابل 24% أيدوا حركة فتح، وقال 44% إنهم سيصوتون لحماس في أي انتخابات عامة، مقابل 30% لحركة فتح، و10% لقوى ثالثة.

3. تكريس هيمنة قيادة فتح والسلطة على المؤسسات والقرار الفلسطيني، وإقصاء القوى الفلسطينية الرافضة لاتفاقات أوسلو والتنسيق الأمني واستبعادها من المشهد السياسي الرسمي، وقطع الطريق على المطالبات بتحقيق التوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير والمؤسسات الوطنية على أسس ديموقراطية.

ثالثاً: الموقف المحتمل للقوى الفلسطينية المعارضة:

تجد فصائل العمل الوطني نفسها أمام خيارات صعبة في ظلّ اندفاع السلطة بمسار الاستجابة للضغوط الدولية لإصلاحها وإعادة تأهيلها وفق الشروط والمواصفات الإسرائيلية والدولية؛ فهي إما أن تقاطع وتدعو الفلسطينيين لمقاطعة الانتخابات التي فرضت شرطاً تعجيزياً يتعلّق بالاعتراف بالكيان المحتل وباتفاقيات أوسلو والتنسيق الأمني، وإما أن تتراجع عن مواقفها المبدئية وتشارك بصورة صريحة في تلك الانتخابات لإفشال خطط استبعادها وإقصائها من المعادلة السياسية الرسمية، أو تكتفي بخيار عدم المشاركة في الانتخابات دون الدعوة لمقاطعتها، أو تقاطع وتلجأ لتشجيع بعض القوائم والشخصيات الوطنية غير المحسوبة عليها على خوضها.

ويُرجّح أن يراوح موقف القوى الفلسطينية المعارضة بين المقاطعة الهادئة للانتخابات دون حشد الشارع لمقاطعتها، وبين دعم بعض القوائم والشخصيات لخوضها. حيث لا تبرز مؤشرات قوية إلى رغبتها بالدخول في صراع واشتباك سياسي حادّ مع فتح والسلطة في ظلّ التحدّيات الراهنة، فيما يبدو خيار مشاركتها بصورة صريحة متعذّراً في ضوء شرط السلطة التعجيزي الذي يُخالف مواقفها المبدئية، والذي عبّر 63% من الفلسطينيين عن معارضتهم له بحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

رابعاً: التداعيات المحتملة لإجراء الانتخابات دون توافق وطني:

تبرز مجموعة تداعيات محتملة لإصرار قيادة السلطة على الانفراد بإجراء انتخابات المجلس الوطني، ومن أهمها:

1. قطع الطريق على فرص المصالحة والتوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديموقراطية وتجديد حيوية المؤسسات الوطنية، وإدامة حالة الانقسام السياسي والجغرافي في الساحة الفلسطينية.

2. تعزيز الهيمنة الخارجية وارتهان القرار الوطني الفلسطيني لضغوط والأولويات الإسرائيلية والإقليمية والدولية.

3. الإمعان في تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية، وإلحاقها بشكل كامل بمؤسسات السلطة الفلسطينية.

4. تكريس هيمنة قيادة فتح والسلطة على القرار الفلسطيني وعلى مؤسسات العمل الوطني، وإقصاء معارضيها من المشهد السياسي الرسمي.

5. اختزال القضية والشعب الفلسطيني بالداخل حيث يمكن إجراء الانتخابات، وتهميش دور الشتات الفلسطيني وتمثيله بصورة هزيلة لا تعبّر عن حجمه الحقيقي ودوره التاريخي في النضال الفلسطيني.

6. شطب القدس وتجاوزها في الانتخابات، وهو المبرر الذي تذرعت به قيادة السلطة سابقاً لإلغاء الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 22/5/2021.

7. تهميش قطاع غزة في ظلّ تعذّر إجراء الانتخابات في معظم مناطقه بسبب السيطرة الإسرائيلية العسكرية على مساحات واسعة منه، وهو ما حصل في الانتخابات المحلية حيث اقتصرت الانتخابات على دير البلح.

خاتمة:

في ضوء التداعيات الخطرة لمسار انفراد رئاسة السلطة الفلسطينية بالترتيبات في الساحة الفلسطينية، وإصرارها على التجاوب مع الضغوط الخارجية، وإقصائها للقوى المتمسّكة بالمقاومة والثوابت الوطنية، وتجاوزها للشتات الفلسطيني، يتجّه المشهد الفلسطيني لتعميق حالة الانغلاق السياسي وإضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية (وحتى السلطة نفسها) أخطر تهديدات وجودية لتصفيتها وحسم ملفاتها لصالح الرؤية الإسرائيلية.

مواضيع ذات صلة
قطاع غزة ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية
قطاع غزة ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

يونيو 23, 2026 4:07 م

د. محسن محمد صالح بالرغم من أن قطاع غزة لا يظهر في أيٍّ من نصوص مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي...
من لبنان إلى إيران: سوريا الشرع في قلب التحولات الإقليمية
من لبنان إلى إيران: سوريا الشرع في قلب التحولات الإقليمية

يونيو 22, 2026 11:21 م

حازم عيّاد اشاد الرئيس الامريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري احمد الشرع من بوابة القدرة على مواجهة حزب الله واحتوائه في...
أهل غزة في السجون.. حكايات من جحيم لا ترويه الكاميرات
أهل غزة في السجون.. حكايات من جحيم لا ترويه الكاميرات

يونيو 22, 2026 9:20 م

عامر أبو عرفة لم يكن ذلك الاعتقال الأول في حياتي، فقد عرفت السجون من قبل، وعرفت زنازينها وأبوابها الحديدية وأيامها...
أوضاع الأسرى في سجون الكيان والفارق الحضاري الهائل
أوضاع الأسرى في سجون الكيان والفارق الحضاري الهائل

يونيو 22, 2026 7:50 م

عبد الله المجالي عشرات التقارير التي توثق كم الانتهاكات الهائل في حق الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان. انتهاكات يندى لها...
الزرقاء المظلومة
الزرقاء المظلومة

يونيو 21, 2026 8:54 م

  عبد الله المجالي كانت مشكلة الزرقاء الأساسية أنه لا أحد فيها يشعر بانتمائه إليها، إلا ما رحم ربي. لا...
غاب وجاب!
غاب وجاب!

يونيو 20, 2026 9:14 م

عبد الله المجالي لقد حقق الرئيس الأعظم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية النصر الأعظم في تاريخ البلاد الممتد منذ ما...