ماذا لو كان مُدَّعو الواقعية يديرون المشهد يوم الكرامة؟
كتب: عبد الله المجالي
الهدف الذي أعلنه الصهاينة للعدوان الذي شنوه على الأردن صبيحة الحادي والعشرين من شهر آذار عام 1968 كان مجرد القضاء على قواعد الفدائيين، وذلك للتخلص من خطر تلك القواعد التي كانت تنطلق منها هجمات الفدائيين ضد قوات العدو في عمق الأراضي المحتلة انطلاقا من مناطق الأغوار الأردنية.
لكن القيادة الأردنية إذ ذاك لم تتردد في صد العدوان على الأراضي الأردنية، ولم تنظر كثيرا في الهدف المعلن للعدو، بل بدأت مدفعية الجيش العربي بدك القوات الصهيونية المتوغلة والاشتباك معها وأثخنت فيها حتى أجبرتها على التراجع والانسحاب وطلب وقف إطلاق النار.
لم تلتفت القيادة الأردنية إلى ما كان يقوله العدو، بل لم تبحث كثيرا في نوايا العدو الحقيقية، فهي تعرفها حق المعرفة، ولذلك كان من الخطورة بمكان أن تبدأ بتقييم الوضع وأن تناقش هل نواياه المعلنة كانت حقيقية أم أن له نوايا خفية من هذا العدوان. كان مثل هذا النقاش سيؤدي إلى كارثة حقيقية وخطر عظيم.
ترى لو كان أصحاب الفكر الواقعي، الذين يدعون أنهم لا يفكرون بعاطفية ولا يبحثون عن الشعبويات، هم أصحاب القرار في تلك اللحظة ماذا كانت ستكون النتيجة؟!
ربما كانوا سيطيلون النقاش ويقلبون الأمور بشأن نوايا العدو، وربما دفع بعضهم باتجاه أن العدو لا يريد سوى التخلص من الفدائيين فقط، فلماذا نخاطر بجيشنا المنهك بهذه المعركة أمام جيش متطور يمتلك سلاح جو جبار.. ستعد هذه مخاطرة، وسيتكبد جيشنا خسائر كبيرة وربما لن نستطيع تعويضها حتى عشر سنوات.. خصوصا أن العدو لن يستهدف جيشنا إذا لم ندخل المعركة.. دعونا لا نقع بفخ العاطفة.. يجب أن نفكر بعقلانية.. هناك من يبحث عن الشعبوية ويريد توريطنا في معركة أكبر منا بكثير.. فلندعهم يضربون بعضهم بعضا ونحن نراقب!!
ترى ماذا كانت ستكون النتيجة، لو لا قدر الله، لو كان أولئك الواقعيون في مواقع اتخاذ القرار وكان القرار كما أرادوا؟!! كانت النتيجة ستكون احتلال الأغوار وصولا إلى مرتفعات السلط وتهديد العاصمة عمان، وحتى لو لم تكن تلك نية العدو الحقيقية فإن خوضه معركة سهلة ضد الفدائيين (لم يكونوا يمتلكون أسلحة ثقيلة) كان سيغريه بالبقاء في المنطقة وتثبيت مواقعه على الأرض الأردنية، وربما كان الاحتلال مستمرا إلى يومنا هذا!!
التفكير الواقعي ليس خطيئة، بل أحيانا يكون ضروريا حين يكون مقابله التفكير الطوباوي الحالم، لكن خطورته تكمن حين يقترن بقصر النظر، والخوف، والسذاجة، والحسابات الضيقة الخاطئة، والمصالح الآنية المتوهمة أو الضيقة.