خنق الصين
إسماعيل الشريف
الحرب مع الصين لن تكون بالسلاح أولاً، بل بسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والعملة- روبرت لايتهايزر، سياسي أمريكي يطلق عليه عدو الصين.
شهدت الساحة الدولية تزامنًا لثلاثة أحداث استراتيجية بارزة، شكّلت في مجملها منظومة متكاملة تهدف إلى فرض حصار اقتصادي على الصين وتقويض أمنها النفطي، وذلك في إطار التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين واشنطن وبكين. وتُظهر المؤشرات أن ما يتراوح بين 85% و90% من الصادرات النفطية الفنزويلية تتجه نحو الأسواق الصينية، ما يمثل نحو 7% من إجمالي الواردات النفطية الصينية. ويُشكّل فقدان هذا المصدر النفطي ضربة استراتيجية لبكين، نظرًا لكونه أحد مصادر الإمداد النادرة في نصف الكرة الغربي التي تقع خارج نطاق النفوذ الأمريكي المباشر. وفي هذا السياق، يتجاوز احتجاز الرئيس الفنزويلي الذرائع المعلنة المتعلقة بقضايا المخدرات، ليكشف عن دوافع جيوسياسية أعمق، تتصدرها مساعي واشنطن لبسط سيطرتها على أضخم احتياطي نفطي مُثبت عالميًا. ويُتوقع أن يُحقق هذا التوجه مكاسب متعددة الأبعاد، أبرزها إمكانية تصدير ما يقارب 3.5 مليون برميل يوميًّا مقومة بالدولار الأمريكي، بعد إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية، مما يُعزز الهيمنة النقدية للدولار ويصون مكانته كعملة احتياطية عالمية رئيسية.
قبيل اختطاف الرئيس الفنزويلي بأيام معدودة، أقدم الكيان الصهيوني، بشكل منفرد، على الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال، في خطوة تُتوّج رؤية استراتيجية إسرائيلية متواصلة امتدت لنحو ثمانية عقود، ولم يكن من الممكن تنفيذها دون موافقة أمريكية ضمنية أو صريحة، بالنظر إلى الدور الوظيفي الذي يؤديه الكيان الصهيوني كأداة متقدمة للمصالح الأمريكية في المنطقة. وتكشف وثائق رُفعت السرية عنها من أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية عن مراسلات تاريخية تعود إلى عام 1944، عُرفت بـ”مراسلات هرر”، وُجّهت إلى الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، عبّرت فيها تنظيمات صهيونية عن طموحها لإنشاء كيان مستقل في إقليم هرر الإثيوبي، مع تأمين منفذ استراتيجي إلى البحر الأحمر عبر موانئ بربرة وزيلع في محمية أرض الصومال البريطانية آنذاك. ورغم رفض أديس أبابا القاطع لهذا المشروع، فإن الجوهر الاستراتيجي للفكرة ظل حاضرًا، والمتمثل في إقامة كيان حليف يُتيح التحكم في مضيق باب المندب الحيوي. وقد عثر الكيان الصهيوني لاحقًا على فرصته الاستراتيجية في أرض الصومال، بما يُحقق أهدافه الخاصة، ويمنح واشنطن في الوقت نفسه قدرة معززة على السيطرة على هذا الممر الملاحي الاستراتيجي، وقطع شريان نفطي وتجاري بالغ الأهمية عن للصين.
تزامنت هذه التحولات الاستراتيجية مع شن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، في أواخر ديسمبر من العام المنصرم، عملية عسكرية موسعة أسفرت عن فرض سيطرته على مناطق ذات أهمية استراتيجية بالغة، شملت عدن وأجزاء واسعة من المحافظات الشرقية، امتدادًا إلى مناطق الإنتاج النفطي في محافظة حضرموت. وفي الثاني من يناير من العام الجاري، أعلن المجلس إطلاق مرحلة انتقالية مدتها عامان، تمهيدًا لإعلان الاستقلال وتأسيس كيان سياسي تحت مسمى “دولة جنوب الجزيرة العربية”. وقد أعادت هذه الخطوة الاستراتيجية ملف الانفصال إلى واجهة الأحداث، وأكسبت الصراع أبعادًا إقليمية ودولية معقدة، نظرًا للموقع الجيوستراتيجي الحساس للجنوب اليمني المُشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية العالمية للتجارة والطاقة.
وبناءً على ما تقدم، فإن هذا التزامن الدقيق بين المساعي الرامية للسيطرة على الموارد النفطية الفنزويلية، ونشر الأسطول البحري الأمريكي في منطقة أمريكا الجنوبية، إضافةً إلى إنشاء قاعدة صهيونية على أراضي أرض الصومال تُمكّن من التحكم في مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 26 كيلومترًا عند نقطته الأضيق -: لا يمكن تفسيره بالمصادفة العابرة. فهذا الممر الملاحي الحيوي يستوعب نحو 12% من إجمالي حركة التجارة البحرية العالمية، وما يقارب 30% من حركة سفن الحاويات المتجهة صوب قناة السويس، كما يُشكّل نقطة ضغط استراتيجية على مبادرة “الحزام والطريق” الصينية؛ حيث يعبره يوميًا نحو 2.6 مليون برميل من المنتجات النفطية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية. وأي تعطيل لحركة الملاحة في هذا الممر يُجبر السفن على سلوك مسار بديل حول رأس الرجاء الصالح، مما يترتب عليه تكاليف لوجستية إضافية باهظة وتأخير زمني يصل إلى أسبوعين تقريبًا في مدة الرحلات البحرية.
وعلى النسق ذاته، فإن بروز كيان سياسي جديد موالٍ لإسرائيل والولايات المتحدة في جنوب اليمن يُمثّل إحكامًا للطوق الاستراتيجي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويُشكّل خطوة محورية في استراتيجية الاستنزاف طويلة المدى الموجهة ضد الصين، بما يُسهم مباشرةً في تشديد الحصار الاقتصادي عليها. وقد واجهت المملكة العربية السعودية الشقيقة هذا المشروع بموقف حازم ورافض.
وإذا ما تأكدت صحة هذا التحليل الاستراتيجي، فإن المنطق الجيوسياسي يشير إلى أن منطقة الخليج العربي ستكون المسرح القادم لهذه المواجهة؛ إذ يُعتبر مضيق هرمز، الذي تعبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، أهم ممر استراتيجي يقع خارج نطاق السيطرة الأمريكية المباشرة. وفي هذا السياق، تبرز إيران بوصفها موردًا نفطيًّا رئيسيًّا للصين ومتحكمًا في الضفة الشمالية للمضيق، مما يجعلها هدفًا ذا أولوية قصوى ضمن الاستراتيجية الأمريكية. وتبعًا لذلك، يُتوقع أن تشهد طهران تصعيدًا ملحوظًا في الضغوط الموجهة إليها، وربما تواجه سيناريو مماثلاً لما شهدته فنزويلا.
وبذلك تجد بكين نفسها أمام معضلة استراتيجية بالغة التعقيد: هل تقبل بالحصار الاقتصادي التدريجي المتصاعد الذي يُفرض عليها بوتيرة متسارعة، أم تختار خيار الرد من خلال استنزاف الولايات المتحدة عبر حروب بالوكالة قد تتطور إلى مواجهة مباشرة؟ أم أنها ستُعجّل من تطوير البدائل اللوجستية البرية، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، أم ستلجأ إلى خيار بالغ الخطورة يتمثل في التحرك العسكري تجاه تايوان؟ إن ما نشهده في المحصلة النهائية ليس سوى لعبة شطرنج جيوسياسية كبرى، قد افتتحت الولايات المتحدة حركاتها الافتتاحية فيها.