“حركة مؤسسات لا تهزمها الاغتيالات”: حماس “الظاهرة الاستثنائية” تنتخب قادتها مفشلةً الرهان على إفراغها قيادياً
الدوحة – السبيل
تستعد حركة المقاومة الإسلامية “حماس” خلال الأيام المقبلة لإجراء انتخابات تكميلية داخلية لاختيار رئيس الحركة ونائبه، إلى جانب انتخاب أعضاء جدد في المكتب السياسي ومجلس الشورى وهيئة القضاء، خلفًا للقيادات التي استُشهدت خلال حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في لحظة استثنائية تمر بها القضية الفلسطينية والحركة معًا، بما يتجاوز البعد التنظيمي الداخلي ليحمل رسائل سياسية تتصل بقدرة الحركة على الصمود والتجدد.
حركة مؤسسات لا تهزمها الاغتيالات
يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن هذه الانتخابات تعكس جوهر “حماس” بوصفها حركة مؤسساتية تحكمها أنظمة ولوائح داخلية واضحة، تُحترم وتُطبّق في مختلف مستوياتها، بدءًا من القواعد التنظيمية وصولًا إلى مؤسسة الشورى والمكتب السياسي.
ويقول المدهون لـ”قدس برس” إن الاحتلال وخصوم الحركة راهنوا على أن سياسة الاغتيالات المكثفة التي طالت قيادات بارزة في غزة والخارج ستُحدث فراغًا قياديًا قاتلًا، خصوصًا في ظل حرب طويلة وقاسية استمرت لأكثر من عامين. “لكن قوة البنية التنظيمية ووضوح التراتبية وآليات سد الفراغ أفشلت هذا الرهان وأحبطت الهدف الاستراتيجي المتمثل بالقضاء على الحركة”، وفق تعبيره.
ويضيف أن امتلاك “حماس” رصيدًا واسعًا من الكوادر المؤهلة، المعروفة وغير المعروفة، مكّنها من الاستمرار والمفاجأة، سواء بالصمود في الميدان أو بإجراء انتخابات داخلية حتى في ذروة الحرب، ما يعزز صورتها كحركة ديمقراطية في بنيتها الداخلية، حيوية وقادرة على التجديد.
رسائل سياسية تتجاوز التنظيم
ويؤكد المدهون أن الانتخابات التكميلية “ليست فعلًا استعراضيًا ولا موجّهة أساسًا لإرسال رسائل سياسية، بل سلوك طبيعي نابع من ثقافة تنظيمية راسخة”. لكنه يرى أن الإصرار على إنجاز هذا الاستحقاق في ظل ظروف استثنائية واستهداف وجودي غير مسبوق “يحمل دلالات عميقة”.
ويتابع: “يعكس ذلك تمسّك الحركة بقيمها الداخلية: الديمقراطية، الشورى، سيادة القانون، والانضباط المؤسسي، كما يبعث برسالة غير مباشرة مفادها أن حماس لم تُهزم، وأن منظومتها التنظيمية ما تزال تعمل بكفاءة رغم حرب الإبادة”.
ويرى أن هذه الصورة الذهنية تفرض نفسها على الإقليم والمجتمع الدولي، وتدفع أطرافًا عديدة إلى إعادة التفكير في كيفية التعاطي مع حركة أثبتت أنها فاعل لا يمكن تجاوزه في مستقبل المشهد الفلسطيني.
ترميم القيادة في قلب المعركة
وحول قدرة “حماس” على ترميم بنيتها القيادية السياسية والعسكرية، يصف المدهون ما يجري في غزة بأنه “ظاهرة استثنائية في تاريخ حركات التحرر”، بل “معجزة سياسية وتنظيمية”، إذ نادرًا ما استطاعت حركة أن تتعرض لهذا الحجم من الاستهداف المباشر ثم تواصل إعادة بناء ذاتها في قلب المعركة.
ويعزو ذلك إلى الحاضنة المجتمعية الفلسطينية الصلبة في قطاع غزة، التي وفّرت للحركة عمقًا إنسانيًا وسياسيًا حافظ على استمراريتها، مؤكدًا أن قوة “حماس” ليست تنظيمية فقط، بل مجتمعية بالأساس.
ويشير إلى أن الأولوية القصوى للحركة اليوم تتمثل في “وقف الحرب وإنقاذ الشعب الفلسطيني، وتسخير كل الطاقات لدعم صمود المجتمع الغزي”، معتبرًا أن “ترميم البنية القيادية جزء من عملية أشمل لإعادة بناء الإنسان والمكان معًا”.
اختلاف مُدار لا صراع داخلي
وبشأن الحديث المتكرر عن الخلافات داخل “حماس”، يوضح المدهون أن من الطبيعي أن تشهد حركة بهذا الحجم قدرًا واسعًا من التباينات، فالحركات الكبرى لا تُبنى على الصوت الواحد، بل على التنوع الذي يمنحها قدرة أعلى على مقاربة التحديات من زوايا متعددة.
ويشير إلى أن داخل الحركة تتعايش أجيال وتجارب ورؤى مختلفة، من الجيل المؤسس إلى جيل الخبرة والميدان وصولًا إلى الأجيال الشابة، وهو تراكم يشكّل مصدر قوة لا عبئًا.
ويضيف أن الإعلام المعادي حاول منذ عام 1996 تصوير هذا التنوع كصراعات داخلية، “لكن احتكام الحركة إلى منظومة قوانين ولوائح وأعراف تنظيمية راسخة منع الاختلاف من التحول إلى خلاف، والتباين من الانزلاق إلى صراع”.
ويخلص إلى أن الاختلاف داخل “حماس” بقي في إطاره الطبيعي: “تنوع تقديرات وتعدد مقاربات، لا صدام إرادات ولا تفكك بنيوي، بل عنصر يعزز التماسك ويزيد قدرة الحركة على التكيّف والصمود”.