الأخبار

أرض الصومال ومسؤولية الأنظمة الفاشلة

ديسمبر 28, 2025 5:52 م

عبد الله المجالي
ضربة جديدة وجهها الكيان للأمن القومي العربي باعترافه بـ”جمهورية أرض الصومال” المعلنة من طرف واحد ولا تحظى باعتراف دولي باعتبار أنها جزء من دولة الصومال.

تتعدد الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، لكن ربما هناك خيط واحد يتصل بكل ما تعانيه الأمة العربية الآن؛ سواء في الصومال أو السودان أو اليمن أو ليبيا أو سوريا أو العراق.

يحلو للبعض أن يتهم الربيع العربي بأنه وراء كل هذه الفوضى وعدم الاستقرار، ويحلو للبعض الآخر أن يتهم الإخوان المسلمين، لكنني أرى السبب الحقيقي فيما نحن فيه هو فشل الأنظمة السياسية التي قادت تلك البلدان وفشلت في بناء دول حقيقية تقوم على تحقيق طموحات وأحلام المواطن العربي.

دعوني أنقل لكم الحدث من اليمن وألمانيا في عام 1990 وذلك عقب انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه الكتلة الشرقية؛ في اليمن أعلنت الوحدة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي لتولد الجمهورية اليمنية التي كان من المفترض أن تولد منذ التحرر من الاستعمار. وفي ألمانيا أعلنت الوحدة بين ألمانيا الشرقية وألمانية الغربية التي انقسمت عقب الحرب العالمية الثانية بين المعسكرين الشرقي والغربي. دعونا ننتقل بكم الآن إلى عام 1994؛ في اليمن اندلعت حرب أهلية بين مكونات اليمن الجنوبي والشمالي، وأحد الأسباب كان هيمنة علي عبد الله صالح على السلطة وشعور الجنوبيين بالتهميش. في ألمانيا ترسخت الوحدة وذابت ألمانيا الشرقية في ألمانيا الغربية ورأى الناس هناك ثمار الوحدة، وصرفت ألمانيا الغربية حوالي 300 مليار مارك على تحسين البنية التحتية في المناطق الشرقية، ولتتولى السيدة أنغيلا ميركل الألمانية الشرقية مستشارية البلاد في عام 2005 في انتخابات حرة نزيهة، أي بعد الوحدة بـ15 عاما فقط. في حين أن بطل الوحدة المستشار هيلموت كول استقال طوعا في عام 1998، أي بعد ثمان سنوات من الإنجاز الهائل الذي يسجل له، بعد خسارته للانتخابات وخرج بكل هدوء من الملعب السياسي. أنظروا إلى ألمانيا واليمن في العام 2025!!

دعونا ننتقل إلى ليبيا حيث يعاني ذلك البلد الغني بالنفط، فإن المسؤول الأكبر عما تعانيه ليبيا اليوم من انقسامات وصراعات هو النظام الذي تحكم في البلاد والعباد طيلة عقود ولم ينجح ببناء دولة عصرية يمكن لها أن تدوم من بعده، لقد أسس نظام القذافي لكل هذه الفرقة والانقسام والفتن التي تعيشها ليبيا اليوم. لم تبن ليبيا لتكون ليبيا لجميع الليبيين بغض النظر، بل بنيت لتكون ليبيا القذافي وأولاد القذافي!! حتى إذا ما ذهب القذافي لأي سبب كان، حتى لو بموت طبيعي كان من المتوقع أن تنقسم ليبيا وأن يحدث فيها ما يحدث الآن. هذا ما حدث في سوريا؛ فلم يبن الأسد دولة سوريا بل بنى دولة سوريا الأسد مستخدما القمع، وقد أسس لكل الانقسامات التي تعيشها سوريا اليوم، فقد اضطهد الأكراد وحرم كثيرا منهم من الجنسية السورية واللغة الكردية، وقمع السوريين السنة، وأسس لفتنة عمياء بين العلويين والسنة والدروز. هذا ما حدث في العراق إذ حاول صدام حسين بناء دولة قوية لكنها ليست دولة العراق بل دولة صدام حسين وأبنائه، لكنه أسس إلى انقسامات طائفية قاتلة، فما أن ذهب صدام حتى ظهرت تلك الانقسامات بأبشع صورها. هذا ما حدث في السودان الذي لم يستطع إقناع سكان الجنوب بالبقاء في كنف الدولة.

نعود لجمهورية أرض الصومال، حيث حاول كذلك الجنرال محمد سياد بري بناء صومال سياد بري وليس دولة الصومال مستخدما العنف كذلك، وظل دكتاتورا إلى حين سقوطه. لقد أسس بري لانقسام الصومال وظهور جمهورية أرض الصومال، بعد أن ترك دولة منهكة ضعيفة فقيرة تعاني من الفقر والجوع.

صحيح أن هناك أسبابا خارجية كان لها دور فيما نحن فيه الآن، لكن تلك القوى استثمرت أساسا في الأسباب الداخلية التي كان على رأسها أنظمة فشلت في بناء دول تصونها شعوبها وتقاتل من أجلها.

لقد اشتركت كل تلك الأنظمة بالاستبداد والدكتاتورية وقمع الحريات، وبناء دولة “ما أريكم إلا ما أرى”، واستنزفت طاقتها ومواردها في تثبيت أركان حكمها بتقريب المتزلفين والمنافقين، وظلت تقدم الولاء للزعيم على الانتماء للبلد، وعادت نظرية تكافؤ الفرص والمساواة. لم تبن تلك الأنظمة جيشا للشعب والدولة بل بنت جيشا للزعيم، ولم تبن أجهزة أمنية لحماية الشعب والدولة بل أجهزة أمنية لحماية الزعيم. (إما الأسد أو نحرق البلد) لم يكن اختراعا سوريا، بل هو لسان حال معظم الأنظمة العربية.

للأسف فمعظم الدول العربية مرشحة لذات المصير، فهي دول شخصية وليست دولا عصرية، ومهما طالت قدرة ذلك الزعيم على المسك بجميع الخيوط إلا أنها ستضعف يوما وستنتج دولة فاشلة غارقة في الفوضى، وستكون لقمة سائغة للكيان.

مواضيع ذات صلة
ماذا تعني هزيمة الأرجنتين في كأس العالم؟
ماذا تعني هزيمة الأرجنتين في كأس العالم؟

يوليو 21, 2026 2:33 م

الدكتور عبد الله المشوخي كأس العالم، شئنا أم أبينا، يظل الحدث الرياضي الأكثر جذبًا لأنظار الملايين حول العالم. غير أن...
الأداء النيابي وأثره في ثقة الناس بمجلس النواب
الأداء النيابي وأثره في ثقة الناس بمجلس النواب

يوليو 21, 2026 2:29 م

عبد الله المجالي يقبع مجلس النواب في المستويات الدنيا لسلم الثقة بمؤسسات الدولة بحسب استطلاعات الرأي الدورية التي يجريها مركز...
صدام الأجواء والبحار: كيف أعادت حادثة الطائرة الإيرانية خلط الأوراق العسكرية في اليمن؟
صدام الأجواء والبحار: كيف أعادت حادثة الطائرة الإيرانية خلط الأوراق العسكرية في اليمن؟

يوليو 21, 2026 2:26 م

د. عمر الجيوسي دخل المشهد اليمني الخليجي طوراً جديداً ومباغتاً من التصعيد العسكري المباشر، واضعاً حداً لسنوات من التهدئة الهشة...
الحياد المستحيل والتكيّف المفقود
الحياد المستحيل والتكيّف المفقود

يوليو 19, 2026 10:44 م

حازم عياد   الحفاظ على حياد حركة أنصار الله الحوثية في اليمن مسألة عصية المنال، كحال الإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي...
الحرب تزداد سخونة وشررها يطال الجميع
الحرب تزداد سخونة وشررها يطال الجميع

يوليو 19, 2026 5:55 م

عبد الله المجالي برغم عدم إعلانها رسميا من الطرفين، إلا أن العمليات العسكرية تزداد سخونة بين الولايات المتحدة وإيران ويتسع...
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟
ماذا دار بين ترامب والشرع بخصوص حزب الله؟

يوليو 18, 2026 3:42 م

عبد الله المجالي التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة على هامش اجتماع قمة حلف الناتو،...