غزة على أبواب الشتاء.. حين يداهم البرد من لم يبقَ له جدار
السبيل- خاص
لم تعد غزة تنتظر الشتاء كما كانت تفعل قبل الحرب، حين كانت زخات المطر تبعث فيها الحياة، وتغسل غبار الحصار. ففي هذه المرة؛ يأتي الشتاء كضيف ثقيل، لا يحمل معه سوى الخوف من البرد والمطر والطين الذي سيغرق خيام النازحين.
في الأزقة المهدّمة؛ تتناثر بقايا البيوت التي صارت مساكن للذكريات، وعلى أطراف المخيمات المؤقتة، تتكوم خيام مهترئة تحاول أن تصمد أمام الريح، كما يصمد أصحابها أمام قسوة الحياة بعد حربٍ التهمت كل شيء.
ومن بين الركام؛ تمتد أيدي الأطفال الصغيرة نحو السماء الرمادية، لا لتلعب، بل لتتلمس ما تبقى من دفءٍ في هذا الهواء البارد.. أمهاتهم يحاولن إشعال نارٍ من حطبٍ مبلل، فيما تتناوب الريح والمطر على إطفائها، وسط حصار خانق.
وفي هذا السياق الموجع؛ جاء تحذير الأمم المتحدة بمثابة صرخة متأخرة، حيث دعا نائب المتحدث باسم الأمين العام، فرحان حق، العالم إلى أن يتحرك قبل أن يتحول البرد إلى قاتل جديد في غزة، لافتا إلى أن المنظمات الإنسانية تكافح للوصول إلى المناطق المنكوبة، لكنها تصطدم بحدودٍ لا تقيم وزناً للإنسان.
فما الذي تعنيه 300 خيمة و14 ألف بطانية في مدينةٍ فقدت بيوتها ودفء جدرانها؟ إنها كما يقول أحد سكان خان يونس: “كمن يوزّع الأمل بالقطّارة على مدينةٍ تنزف منذ عامين”.
ورغم أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل أيام منح الفلسطينيين شيئاً من الصمت بعد ضجيج الموت، إلا أن الصمت لا يكفي ليبني سقفاً أو يرمم بيتاً. فخلف الجدران المنهارة؛ ما زالت الروائح تعبق بالموت، وأصوات الأطفال ترتجف تحت الأغطية البالية.
ووفق أرقام الأمم المتحدة؛ فإن أكثر من 10 آلاف طن من الإمدادات دخلت القطاع، لكن “حكومة غزة” تؤكد أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 986 شاحنة من أصل ستة آلافٍ كان يُفترض أن تصل وفق اتفاق وقف إطلاق النار.. أرقام تتصارع على الورق، فيما الناس يتصارعون مع الجوع والبرد والمرض.
ولم تكن تلك الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 مجرد معركة عسكرية، بل كانت فصلاً من الإبادة الجماعية التي طحنت الإنسان والحجر معاً، أسفرت عن 68 ألف قتيل و170 ألف جريح؛ هم الشاهد على ما تدمير شعبٍ بأكمله.
ولم يكتفِ الاحتلال بالقصف، بل ترك خلفه حصاراً يحرم الناس من الماء والكهرباء ومواد الإيواء، في انتهاك صارخ لكل ما نصّت عليه اتفاقيات جنيف عن حماية المدنيين في زمن الحرب.
اليوم، ومع اقتراب الشتاء؛ تتقاطع الأسئلة في وجوه النازحين: هل سيصمد قماش الخيمة أمام أول عاصفة؟ وهل ستبقى البطانية الجافة غداً كما هي؟ وفي كل خيمةٍ قصة؛ وفي كل عينٍ دمعة محتبسة بين الخوف والرجاء.
العالم يراقب، والبيانات تُكتب بعناية، واللجان تعقد اجتماعاتها في القاعات الدافئة، لكن البرد لا ينتظر قراراتٍ جديدة. ففي غزة؛ يسابق الناس الزمن قبل أن يتحول المطر إلى طوفان، والبرد إلى سلاحٍ آخر من أسلحة الحصار.
ومع كل مساء؛ حين يهبّ النسيم البارد من جهة البحر، تتشبث غزة بذاكرتها، وبإيمانها بأن الليل مهما طال؛ فإن الفجر قادم. غير أن السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع: هل سيسبق الفجرُ موتاً جديداً؟ أم ستنتصر الحياة في مدينةٍ لم تعرف سوى الصبر؟