غياب الحد الفاصل بين الوساطة والخصومة
ظاهرة الوسطاء الدوليين فيما بين المتصارعين بلغت حد يجعل من الصعوبة في بعض الأحيان تحديد الأطراف المتصارعة والمتنافسة بدقة، فالوساطات تحولت الى ظاهرة طريفة ولكنها عميقة المغزى والدلالة في حقبة الصفقات الترمبية.
فأميركا تمارس الوساطة مع المقاومة الفلسطينية وحركة حماس عبر مبعوثها ويتكوف وعبر ادم بولر مسؤول ملف الاسرى الأمريكي، وفي الان ذاته تعد شريكا في الحرب والتجويع ولكنها تنكر ذلك بحجة الوساطة والدور الإنساني والأخلاقي البناء الباحث عن جائزة نوبل للسلام من وسط المجاعة والابادة الجماعية.
وفيما بين روسيا وأوكرانيا تقدم اميركا نفسها كوسيط وطرف في الان ذاته، و تتسابق الدول للعب دور الوسيط تارة لتجنب العقوبات والاثار السلبية للصراع الاوكراني، وتارة أخرى بحثا عن الحياد وثالثة المرونة السياسية والمناورة الاستراتيجية، كما هو حال الصين وتركيا والهند بل ودول الخليج العربي بما فيها المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة التي صرح رئيس الدولة فيها محمد بن زايد يوم امس الخميس، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان حجم التبادل التجاري الذي يجمع بلاده بروسيا يبلغ 11 مليار دولار ومع دول اوراسيا التي تعد منطقة نفوذ روسية 30 مليار دولار وهي مصالح تسعى دولة الامارات الحفاظ عليها رغم العقوبات الامريكية عبر طرح نفسها وسيط فيما بين اميركا وروسيا، وسيط يمتد تأثيره ومصالحة الى القارة الافريقية واسيا الوسطى مع الطرفين المتنافسين .
التنافس على لعب دور الوسيط في الساحة الدولية بلغ ذروته فيما بين الدول الإقليمية بل والقوى الدولية، فأميركا تريد ان تفرض عقوبات على الصين والهند للضغط على روسيا بوقف صادرات النفط وفي الان ذاته تطالبهما بالوساطة مع الجانب الروسي، بل وتسعى اميركا للعب دور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا وبين الهند وباكستان في الان ذاته وبين اوروبا والصين.
لعبة الوسطاء وتزاحم الدول للقيام بهذه الأدوار يظهر بوضوح في الملف الإيراني اذ تتبادل الدول دور الوسيط ودور الخصم على نحو مضحك، أوروبا وأميركا دول الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي اميركا روسيا والصين بل والهند وباكستان والدول العربية مجتمعة و منفردة.
الوساطة لها دوافع اقتصادية وجيوسياسية متعددة الجوانب، وفي الان ذاته تعد وسيلة لمحاولة تعزيز الدور والمكانة الدولي وفرض الاجندة والاولويات الخاصة بالوسيط الذي يعد وسيطا في ملف وخصما في ملف اخر يبحث فيه عن وسيط مع ذات الدولة التي يتوسط لها.
الوساطة باتت وسيلة للمنع والمنح للحياد ونقيضه وهو الانحياز، وفي خضم كل هذه الفوضى تختفي الخطوط الفاصلة بين الوساطة والخصومة بين الوساطة والأطراف المراد التوسط فيما بينها ، فالعالم دخل عصر الصفقات والوساطات التي لم يعد لها معنى سوى الرغبة الملحة بالبحث عن الحياد وتجنب الصدام والركض المتواصل وراء خفض التصعيد وإدارة وتدوير الملفات بشكل لانهائي لغياب الحسم وسيولة موازين القوة ، فالنظام الدولي بدون حسم او هوية او شكل واضح غابت فيه موازين القوى وخطوط التماس ما بين الأطراف المتصارعة والمحايدة.